الزيارة السلطانية الأولى

0
190

1

تبادل الزيارات بين الملوك والسلاطين والأمراء والحكام،أمر اعتاد عليه الناس؛ لكثرة تكرار مشاهده، ومعظم الناس لا يشغلون أنفسهم بتلك الأحداث؛ لتعودهم مشاهدتها باستمرار، من جهة، واستغراقهم في أعمالهم اليومية التي يكسبون منها أرزاقهم، وتركهم أمر ذلك لجهات الاختصاص،من الإعلاميين، والسياسيين، الذين يتفننون في صناعة الحدث، بالصورة، والكيفية، التي تناسب توجهات تلك المؤسسات من جهة أخرى. ولكن إذا كان هذا الأمر عادياً لماذا أخذت زيارة مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله ورعاه- للمملكة العربية السعودية الشقيقة،كل ذلك الزخم الكبير، والاهتمام الواسع داخل السلطنة وخارجها! أرى أن الأسباب كثيرة، أبرزها، على المستوى المحلي سببان ؛أولهما أنها الزيارة الخارجية الأولى للسلطان المعظم بعد توليه مقاليد الحكم في مطلع العام 2020م بعد أن قضى عامًا ونصف العام في ترتيب البيت الداخلي، حيث يراها بعضهم أنها نافذة، ستفتح آفاقاً مستقبلية في السياسة والاقتصاد، بما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع العماني. أما السبب الثاني، فيعود إلى رغبة أفراد المجتمع في البحث عن منفذ لتحيق الشعور بالسعادة؛ نتيجة لتراكم المحن عليهم وتزاحمها، بدءاً بفقدان السلطان الراحل عليه رحمة الله ومروراً بالتحديات المالية، والاقتصادية، وتكدس الباحثين عن عمل، والمسرحين من أعمالهم، ومشكلات القطاع الخاص التي لا تنتهي، وانخفاض مستوى دخل الفرد، مقارنة بارتفاع الأسعار، وزيادة الضرائب والرسوم ومواجهة جائحة فايوروس كورونا التي تسببت في ظهورالاضطرابات الانفعالية والعصبية لدى شريحة كبيرة في المجتمع ، كالقلق، والاكتئاب، والوسواس القهري، وعدم الشعور بالسعادة، والحساسية المفرطة، وانخفاض ضغط الدم، والاعتلال العصبي السكري، واضطراب النوم واليقظة،وغيرها. ونتيجة لكل ذلك؛ ظهرت الكوميديا الساخرة، التي لم تكن موجودة في مجتمعنا العماني، ولذلك؛ فإن المجتمع يحاول أن يبحث عن كل ما يمكن أن يحقق له شعوراً بالسعادة والارتياح، فكان أن اتخذوا من الزيارة الكريمة لمولانا المعظم، مدخلاً لتحقيق الشعور بالسعادة، والخروج من دائرة الحزن، وهذا ما تظهره المبالغات الشديدة في وصف الزيارة، ورسم صور وأحلام وردية أكثر، مما تحتمله أهداف الزيارة الرسمية.

2

التعاطف الانفعالي الشديد من قبل المجتمع، قد يؤثر سلباً على القرارات السياسية، لذلك؛ ينبغي الهدوء والتروي في متابعة الحدث، وقراءة الزيارة بعد حدوثها، وليس قبل ذلك؛ لمعرفة حقيقة النتائج التي أثمرت عنها. فالجميع يعرف،أو قل عليه أن يعرف، أن كل زيارة رسمية بين دولتين تحمل في طياتها، أجندات سياسية، واقتصادية، وأمنية، وتعليمية،واجتماعية، وثقافية، وقد تتضمن جميع تلك الأجندات، أو بعضا منها على الأقل، بما يخدم مصلحة البلدين. لذا؛ علينا أن ندرك، أن الزيارة ليست زيارة الحرمين الشريفين،  بل هي زيارة رسمية؛ لتحقيق مصالح دنيوية مشتركة، فحري ألا نبالغ في التعبير بعواطفنا، ونحمّل الموضوع فوق ما يحتمل.لا شك أن هذه الزيارة تحمل الكثير ،ونرجو أن يكون على مستوى الطموح، الذي يأمله كلا الشعبين الشقيقين.

3

قد نسعد كثيراً بعقد الاتفاقيات الثنائية بين البلدين في مجالات حياتية عدة، بما يحقق أمن الحاضر والمستقبلورخائهما ، غير أن ما نخشاه، هو ألا تكون تلك الاتفاقيات فعلاً حقيقياً، بل ردة فعل. فإذا كانت ردة فعل، فإنها لن تتجاوز الحبر الذي كتبت به، وما أكثر ردات الفعل في مجتمعنا الخليجي! لكون الغالب على سيكولوجية الشخصية الخليجية (أبناء جزيرة العرب)، أنها نمطية الشكل، إقصائية الفكر، اقتباسية المنهج، تعشق الانفرادية،وتكره المنافسة، وترفض التعددية، إلا من رحم ربك– فالاستثناءات موجودة في كل قواعد الحياة. لذا؛ كان عمر مجلس التعاون الخليجي قصيرا،ً فقد عاش حياة مليئة بالمنغصات، ولم يستمر إلا بالمهدئات، التي كانت تفيء بالغرض أحياناً، و في أحايين كثيرة تفقد مفعولها،وهيالنتيجة التي أودت بالمجلس إلى مرحلة الموت الإكلينيكي،وانقسام مجموعه إلى آحاد وثنائي وثلاثي. أرجو حقيقةً أن يكون هذا العمل الثنائي نابعاً من قناعات حقيقية لكلا الطرفين، وليس ردة فعل آنية بسبب تصدعات في جدران البيت الخليجي. نأمل بصدق لهذه العلاقات الثنائية أن تؤتي ثمارها، فالمجال خصب، ومقومات النجاح وفيرة، ونقاط القوة في عوامل اللغة، والدين، والجوانب التاريخية،والجغرافية، والجيوسياسة، يمكن استثمارها إيجابياً بمايحقق المصالح المشتركة للدولتين.

                                                                                    د. هاشل بن سعد الغافري

جامعة التقنية والعلوم التطبيقية