ولي كلمة قبل التقاعد

0
33655

محمد بن علي الوهيبي

في يوليو من سنة 70 ركضتُ مع رفاقي من أبناء هذا الوطن إلى أبواب المدارس التي فتحتها بلادنا على مصراعيها، لتحتضن بناة مستقبل عُمان الذين سيشاركون بهمتهم وعزيمتهم تشييد وطن راسخ البنيان، وشمروا عن ساعد الجد ومضوا في تعليمهم،

وكنا نرى في مخيلتنا أن هناك من يمسك بالطبشور ليرسم على السبورة معالم وطن ينتشل أبناءه من ظلام الجهل الدامس إلى فجر النور والمعرفة، كنت واحداً من ذلك الجيل فأكملت تعليمي الابتدائي والإعدادي في مدرسة الوليد بن عبدالملك بمدينة روي، ولأن عُمان كانت تحتاج لكوادر وطنية تمسك بزمام التعليم وتعلي رايته في أسرع وقت ممكن فقد كنت من ضمن المتجهين إلى معهد المعلمين بالقرم، والذي كان في ذلك الوقت المؤسسة التعليمية الوحيدة في السلطنة التي أخذت على عاتقها إعداد وتخريج المعلمين العمانيين في زمن البدايات،

فعرفتُ في هذا المعهد زملاء من كافة مناطق بلادي من ظفار ومسندم والداخلية والشرقية جنوباً وشمالاً، ومن الباطنة جنوباً وشمالاً ومن عبري والبريمي ومن مسقط، وبعد أن أكملنا ثلاث سنوات من الدراسة النظرية والعملية وأمسكنا بالأدوات اللازمة التي تمكننا من قيادة دفة التعليم في البلاد،

انطلقنا إلى مدارسنا كُلٌّ في منطقته التعليمية لنشارك في صناعة الإنسان العماني للزمن القادم، ومضى قطار النهضة والبناء والتعمير في بلادي، وكنا بمثابة القنطرة التي عبر من خلالها الطبيب والمهندس والإعلامي والمحامي والعسكري برتبه ونياشينه المختلفة،

كنا من الجيل الذي آمن برسالته وأنه تماماً كالأنبياء والرسل فلا يشكو ولايتذمر من قلة الراتب وتوقف الترقيات عنه في أحيان كثيرة، وكنا ذلك الجيل الذي مرت عليه أحداث كبيرة، فعاصرنا على سبيل المثال الحرب العراقية الإيرانية، وعايشنا فترة انخفاض النفط التي واكبت تلك الحروب العبثية حتى وصل سعر البرميل إلى 8 دولارات، وكانت الأنظار متجهة إلى علاوة التدريس التي كانت في ذلك الوقت عبارة عن مبلغ زهيد،

ورغم ذلك تم اقتطاعها منا لعل ما اقتطع ينعش موازنة البلاد، ولنكون أول من يجب أن يتحمل تبعات ذلك الانخفاض، ويدفع فواتير كان يمكن أن نتجنبها لو كان لدينا تخطيط سليم وإدارة موارد صحيحة،

ولم نعترض أو نتأفف واضعين في اعتبارنا قبل كل شيء مصلحة الوطن الغالي، ولأننا من يجب أن يكون قدوة لإعلاء صرحه الشامخ.
وبعد ذلك وبجرة قلم حُرمنا من ثلاث إجازات صيفية لننخرط في برنامج توحيد مؤهلات المعلمين، لنحصل بعد الالتحاق بالبرنامج على مؤهل دبلوم الكليات المتوسطة، باعتبار أن الشهادة التي حصلنا عليها سلفا من معهد المعلمين كانت تسمى ثانوية المعلمين، وكان ينبغي أن نحصل على الأقل على مؤهل بكالوريوس وليس دبلوماً متوسطاً وذلك قياسا بسنين الخبرة السابقة، وقياسا بفترة الدراسة التي قضيناها ولم يتحقق شيء من ذلك.

ولأننا اعتبرنا أنفسنا تماماً كالأنبياء والرسل فيما نقدمه من رسالة سامية قبلنا ذلك وضحينا بالوقت المستقطع من إجازاتنا الصيفية، والذي كان بدون أي تعويض مادي، وكان عزاؤنا أن كل ذلك يهون لأجل وطننا الغالي.

وقبل ذلك حُرمنا من الانتساب لجامعة بيروت التي كانت في ذلك الوقت تمنح شهادة البكالوريوس بنظام الانتساب وكانت الامتحانات الدراسية تجرى هنا في مسقط.

وعن عملنا في المدارس سأتحدث وأقول سجل يا تاريخ أن دوامنا في الصف أو الفصل الدراسي الواحد الذي يدرس فيه أكثر من 45 طالباً، وكان نصاب المعلم في ذلك الوقت 30 حصة في الأسبوع، وكان الأسبوع الدراسي يبدأ من يوم السبت وينتهي يوم الخميس، حيث كانت الإجازة الأسبوعية تقتصر على يوم الجمعة فقط، وكنا كثيراً ما نستغل هذا اليوم في إقامة معسكرات طلابية ننفذ فيها العديد من الأنشطة المدرسية، والرحلات للطلبة وغيرها، وعندما تم تعييننا كمديرين للمدارس لم يكن هناك إداريين يساعدون المدير في عمله المدرسي، فهو يبقى وحيداً ليتولى الجانب الفني من حيث متابعة اليوم المدرسي من التحصيل العلمي وأداء المعلمين والسلوك الطلابي والحضور والإنصراف ومتابعة الحافلات المدرسية والمراسلات واستقبال الزائرين من أولياء أمور الطلاب أو الإداريين من الوزارة والمديريات التعليمية.
ثم انتقل بعضنا ليعمل في ديوان عام الوزارة أو في المديريات التعليمية بالمحافظات في مختلف الوظائف القيادية والإشرافية، وكنا من الجيل الذي خاض عُمان شرقها وغربها جنوبها وشمالها وزار المدارس لمتابعة زمن التعلم في السهل والجبل والبحر عبر طرقات وعرة وخطرة، وركبنا قوارب متجهين إلى الجزر البعيدة لتفقد أحوال المعلمين والطلاب

ولم تثننا عن ما خططنا له وعورة طرق أو أمواج عالية، وكل تلك المصاعب والتحديات الجسام كانت تهون علينا، لأننا آمنا أن كل مانقدمه من تضحيات نساهم به في بناء عُمان الحديثة، وأن هذا سيعود بالخير على جميع أبناء عُمان.

ووصل الحال بمعلم وموظف ذلك الجيل أن ينتظر بين يوم وآخر ورقة تكريم لكل تلك الجهود الجبارة والعطاءات المخلصة والتضحيات العظيمة مكتوب عليها بحبر جاف: تم إنهاء خدماتك!! يالها من عبارة وياله من تكريم !!! وياليته اقتصر على ذلك لكن الأدهى والأمر أنه لم يتم مراعاة ظروفه والتزاماته المعيشية والحياتية، بل إن من معلمي وموظفي ذلك الجيل من لايزال في قمة الحيوية والعطاء، وأنه قادر على مواصلة العمل بكل جد وأمانة .

إن الأماني التي حلم بها ذات يوم ذلك الجيل والذي زرع في قلبه وروحه حبا وإخلاصا وعطاء بلا حدود لوطنه سيجنيها رمادا، بل إن حلمه في نيل تكريم مستحق يذكره بما قدم وأعطى وأخلص نُثر مع الريح، وغُيّب مع الزمن، فطارت الأحلام واغتيلت الأماني،

وبدا واضحا أنه سينطبق على جيلنا الذي كان كل ذنبه أنه عمل تحت منظومة تسمى الخدمة المدنية أنه سينتظر أن يطلق عليه النار مثل الخيل التي تقدم بها العمر، وهذا الفعل الذي يترجم النكران تتعمده بعض الشعوب عندما يكبر الخيل أو الفرس الذي خدمهم لفترة طويلة فيصبح عالة على صاحبه وحجر عثرة في طريقه، وبدلا من أن يكرمه يأخذه إلى مكان بعيد في سبيل التخلص منه ويطلق النار عليه ويرميه ويعود، وكأنه لم يفعل شيء!!