صالح الحالم الناقم

0
200

قصة قصيرة بقلم / يعقوب بن راشد بن سالم السعدي

فتح عيناه وهو ممدد على ظهره فوق سرير المستشفى ، ما إن نظرت عيناه ذاك الجمال البديع ظن إنه يحلم منذ ليلة الأمس ، لكنه سرعان ما تذكر بأنه كان في عمله بحقول النفط حين سقط مغشيا عليه ، اخذ يبتسم للممرضة الجميلة كثيرا وكأنه يوزع صدقات شهر الصيام على المحتاجين ، لم ينتبه ان يتأكد من الآمر الذي استدعى ان يرقد هكذا في المستشفى ، كانت الممرضة تسأله عن اسمه حتى تتأكد من انه قد استعاد وعيه على اتم حال ، لكنه كان سارح وهائم في ملكوتها الجمالي وكأنَ لم تنظر عيناه امرأة قبلها ولا بعدها

كررت الممرضة عليه السؤال ، فرد وهو في شبه غيبوبة غرامية ، اسمي المولود حديثا بعد الموت ، ضحكة قليلا وضنت الممرضة لوهله إنه يهذي ، لكنه أردف قائلا لها .. وينك من زمان .. أنا قبلك كنت يتيم ، فأخذت الممرضة تتفحصه عن الحمى فوضعت يدها على جبهته ، فتنهد بعمق ، فقالت له بصوت حاني جلجل جبهته وهامته .. فيك حمى ؟ ، فرد دون تردد .. أنا محموم من قبل لا اعرفك ، بس اليوم شفاني الله بلمسة كفوفك ، هنا اسرعت الممرضة لتستدعي الدكتور على عجل ، جاء الدكتور واخذ يتفحصه ويرفع رموش عينيه ليوجه المصباح نحو بؤبؤ العين ، وقال الدكتور له تعرفني .. فرد عليه .. ايه اعرفك دكتور اعرفك .. وأنت موه جابك تو .. اما هذه وحدة الحسد وراي وراي هين ما اسير واحل ، استغرب الدكتور من الرد التعنيفي والتقريعي الذي بادره به المريض صالح ، لم يكن يدرك صالح بعد إن رجله اليمني قد تطايرت من جسده اثناء الإنفجار الكبير الذي وقع في حقول النفط جراء القصف الصاروخي

جمال الممرضة افقده حتى ادق تفاصيل حياته وهو الشعور بفقد رجله ، اقترب منه الدكتور وقال له .. صالح تُأمن بأن المرئ لا تصبه مصيبة او خير إلا من الله ، فرد صالح بعفوية المشاكس ، نعم عرفت هذا لما أنت جيت مكان الحورية .. يقول حواره وينظر نحو الممرضة ، ضحك الدكتور وادرك فعلا ان صالح في كامل وعيه لكنه يعيش عالم احلام اليقضة ، ويغازل ممرضته ، اردف الدكتور قائلا كيف رجليك تشعر انهن يألمنك ، من خلال نظرة الدكتور الحازمة له توجس في نفسه الخيفة ، مد يده يتلمس رجليه وعندما وضعها على اليمنى شعر بألم مع خفة الرجل وما إن رفعها حتى ادرك المغزى وصرخ بأعلى صوتيه .. رجلي !!!؟ ، فضاعت صرخته في فضاء المستشفى تتلقفها الممرات الصامته

مسكين صالح لم يكتمل حلمه الجميل بعد حتى بدأت مأساته ، حتى جمال الممرضة لم يعد يشعر به إطلاقا ، لقد ضاعت الإبتسامة وماتت الفكاهة على نفس السرير الذي بدأ عنده حلم الغرام ، حاول الدكتور مع الممرضة تحفيزه ببعض الكلمات الإيجابية التي من الممكن ان تجعله يهدأ ولو لحين ، لكنه ضل يبكي وكأنه طفلاً فقد حنان أمة او مشتاق لرجعة ابيه للدار ، هكذا هي الغمة التي حلت على صالح وهو ما زال شاب في مقتبل العمر يحلم بعروسة منذ ما كان يدرس هندسة البترول ، اصبح الآن برجل واحدة وقد يحتاج إلى عكاز يستند عليه في ضعفه وقوته ، الصدمة لم تمكنه من الهدوء والسكينة والطمأنينة فهو أبن ابيه الوحيد ، فلم يشأ الله ان تحمل أمه بغيره رغم كل المحاولات العلاجية ، فظل الإبن المدلل والوحيد الذي ينحني له كل ما يطلب ، اسودت الدنيا في عيناه ولم يعد يرى الأمل والتفاؤل ، كل ذلك بسبب الحرب الذي أقامته بلاده على الدولة المجاورة ضنا منها إنها سوف تسلب منها كل عروش بلقيس التي تبقت ، لكن حربهم أصبحت خاسرة في الميدان والارواح ، وهاهي تطول المدنيين من السكان الآمنين في اعمالهم وديارهم ، بينما كان صالح يجلس امام الشاشة مطرقا رأسه حزين ، كانت الاخبار تُتلا امام عينية عن حرب بلاده الخاسرة مع الدولة المجاورة ، فقرر ان يشن حربا إعلامية شرسة على هذا الفكر الغاشم ، فحمل نفسه وعكازة على إثارة الرأي العام حول إخماد لهيب الحرب المستعر ، فأدرج قصته ومعاناته من ضمن برنامج حملته ، فسلط الضوء على القضية من خلال جميع واجهات الاعلام في دولته والدول الاخرى ، حتى اصبح صالح له صيط وسمعه واستطاع ان يثير البلبلة في الشارع العام ، فتم إعتقاله وزُجَ به في السجن ، كما زُجَ باخرين من رجال الدين المعاديين لسياسة الحرب الغاشمة ، وصدر بعد سنة في حقهم حكم الإعدام بتهمة ازدراء الدين الإسلامي والتجسس على الدولة لصالح الدولة المعادية ، تفاجئ صالح من ما نسب إليه من تهم لا صحة لها ، وها هو يسير في طريق اكثر بشاعة وسوداوية من قبل وهو خسارة حياته هذه المرة بالكامل

لقد اختار صالح الطريق الشائك ليحس بأنه ما زال إنسان يقدم الافضل رغم إعاقته ، لقد جعلت الإصابة وفقد رجله سبب في خراب كل شيء كان يحلم به ، حتى حياته التي لم يظن ان تنتهي بهذه الصورة وبهذه السرع ، هذا هو الآن قريب من تجاوز الخط الاحمر إلى نهايته ، ضجت اجهزة التواصل الاجتماعي المنددة ضد حكم الاعدام على رجال الدين ، وكل من كان صدر بحقة حكم الاعدام ومن بينهم صالح ، فتصدر هاشتاج يطالب بالافراج عنهم وبإن الاجراء غير صحيح وفيه من القمع للفكر الحر والرأي العام ، فأحست دولته بوضعها المحرج أما المجتمع والأمة فأخذت تتلافى تفاقم الأزمة ، حتى صدر بعد سنة أخرى حكم يطلق سراح كل السجناء ومن بينهم صالح ، الذي هاجر إلى الخارج تاركا بلاده ليرمي بنفسه في حظن امريكا ، طالبا لجوئا سياسيا وكان له ما اراد ، اشتغل صالح على تطوير موردا اخر غير طاقة المحروقات لتكون بديل دائم ، تحول حبه لبلاده إلى عداء يستقص به من خلال ضرب الدخل الوحيد في دول الخليج اجمع ، وبدأ يروج ويعلن الاكتشاف على العالم كله ، وحاز بعد سنة على جائزة نوبل للبيئة ، ليكون بذلك اول امريكي من اصول عربية يحصل عليها ، لقد تحول صالح من رجل حالم بأبسط الحقوق في حياته ووطنة إلى اكبر عدو لدود لبني جنسة ووطنة ، كل هذا بسبب ما لاقاه في بلاده من عدوانية اتجاهه وإتحاه الدول المجاورة دون حق ، لقد زرعت فيه حكومته ورجال السياسة هذه العدوانية ليرد عليهم بالمثل ، ويتحول من شاب منتج صالح لوطنة ، بسيط في حياته إلى جاثوم يحول حياتهم إلى جحيم قادم ، وقد يصبح في القريب العاجل النفط لا قيمة له ويسقط معه كل اقتصاد دولته ويبقى هو المظلوم الخائن لعروبته وبلاده ،