ضلكوت علي حاردان ….

0
694

قبل عشر سنوات وتحديدا
في شهر مايو… عاد علي حاردان، البحار العتيق الذي قرأ كل أسفار الريح وعرف من أين تسيل الروح، إلى ضلكوت للمرة الأخيرة، فأحكم قيد قاربه في مرساه الأخير منهياً حروبه الطويلة مع الزمن
ثم قال لحبيبته ضلكوت (..هكذا لا بد من عود إليك
ربما أجد بعض أحلامي لديك
ربما أرقد هانئاً بين يديك
فاقبليني بعيوبي واغفري كل ذنوبي
فلتسمها براءة مثل أخطاء الصغار)
ومر علي حاردان مرور المودع على خضرفي وخرفوت وحفوف وصرفيت وحموت وعين المغسيل ووقف طويلا أمام كهف شرشيتي مستعيدا ذكريات رجال و أياما لا تعود


ولم ينس في تجواله الأخير المرور على الشجرة التي لا يوجد لها مثيل (هيروم ذري ) أي الشجرة الغريبة
و ألقى النظرة الأخيرة على ضلكوت التي تتميز بتضاريس طبيعية تجمع بين الجبال الخضراء و الاطلالة على شواطئ بحر العرب، ولقربها من اليمن فقد كانت ممرا للقوافل التجارية المحملة بالبضائع ، و هي ذات معالم سياحية كثيرة من كهوف ومغارات وعيون و نقوش أثرية ،و يزعم اتباع (طائفة المورمون)، الذي يقال أن عددهم يبلغ (13)مليون إنسان، أن نبيهم (ليهي) أبحر من خرفوت إلى الأراضي الجديدة وتعتبر خرفوت بالنسبة لأتباع هذه الطائفة العجيبة محجا لهم .

أعود لعلي بن سهيل حاردان الأديب والشاعر الذي رحل عن هذا العالم قبل عشر من السنين،
كان علي الذي عرفته في أواسط الثمانينات من القرن الماضي أخا ورفيقا نبيلا وفيا لأصدقائه
وكان في ذلك الوقت صحفيا في جريدة الوطن ثم انتقل بعدها إلى جريدة عمان والتي كان موقعها آنذاك في روي وكنا نلتقي بشكل شبه يومي،
و أذكر أن علي سكن في روي في شقه ببناية حمود بن عبدالله بن حمود الوهيبي في حارة القلعة وظل فيها مدة من الزمان وكنا نلتقي فيها كثيرا بصحبة الأصدقاء و نتبادل الأفكار والأحلام والحكايا … كما كان يجمعنا مجلس الإعلامي عبد العزيز السعدون الذي كان بمثابة صالون أدبي .
مضت تلك السنين بحلوها ومرها وانتقل علي بعدها إلى مكتب الجريدة في صلالة ليكون أكثر قربا من ضلكوت لتتجدد لقاءاتنا هناك في ظفار أو الأحقاف
و في سهل أتين حيث مقهى قمر شعبان، فكانت لنا أحاديث تمتد من بعد غروب الشمس إلى شروق شمس اليوم التالي بحضور الصديق الوفي لذكرى علي حاردان
الكاتب والأديب الأصيل محمد الشحري..

أيها الأصدقاء ذكرياتي مع علي حاردان عزيزة وأثيرة ولن أحصيها في هذه العجالة……
علي حاردان الذي كثيرا ما أشبهه بالشاعر المصري أمل دنقل فحياتيهما متشابهتان في كثير من التفاصيل ،وكلاهما من الجنوب ،و كلاهما لم يصالحا ولم يهادنا و لم يرضيا بالبهجة المستعارة….
…ولكنهما بقيا علمين يرفرفان في سجل الخالدين.

كثيرة هي الذكريات مع علي حاردان ولكني سأذكر هنا الموقف الذي حدث في عام 1988 عندما قرر النادي الثقافي أن يستضيف الكاتب والروائي المصري ثروت أباظه والذي كان في ذلك الوقت رئيس اتحاد الكتاب والأدباء في مصر
وقبل اللقاء المقرر للضيف في النادي الثقافي
تم عقد لقاء صحفي لثروت أباظه في مقر إقامته بفندق قصر البستان بحضور عدد من الصحفيين وكان من ضمن الحضور علي حاردان ومحمد اليحيائي وكاتب هذه السطور ، وفي حديثه تطرق الضيف إلى عهد جمال عبدالناصر الذي كان مختلفا معه أشد الاختلاف
فهو سليل الباشاوات والاقطاعيات في العهد الملكي ومن قرأ رواية (شيء من الخوف) يفهم ذلك الاختلاف ،ففي هذه الرواية هاجم شخص عبدالناصر من خلال شخصية (عتريس) الذي خطف مصر(فؤاده) ثم تحولت الرواية بعد ذلك إلى فيلم سينمائي -أبيض وأسود (شاديه -محمود مرسي -يحيى شاهين)… وذكر أباظه في ذلك اللقاء أن عبد الناصر زرع الخوف في نفوس الشعب وان الثورة أوجدت الغطرسة والبطش والصوت الواحد


ومن بين الحضور انبرى علي حاردان للرد على ثروت أباظه مبينا دور جمال عبد الناصر وثورة يوليو حول إتاحة التعليم المجاني لجميع فئات الشعب المصري والمساواة بين المواطنين وإلغاء الاقطاعيات والإسكان الشعبي و قام بالإصلاح الزراعي وتأميم قناة السويس وقاد حركات التحرر في العالم العربي ضد الاحتلال الغاشم …. فاحتد النقاش إلى درجة كبيرة من جانب الضيف وكان علي كعادته هادئا في حواراته، ونجح في أن يواجهه بردود مقنعة الأمر الذي جعل ثروت أباظه يبلغ منتهاه في الغضب والتعبير عن سخطه الشديد عن ثورة يوليو وعبد الناصر بعبارات لا مجال لذكرها هنا… رحمة الله تغشاك يا علي.

بقلم / محمد بن علي الوهيبي