من كنوز العِبر وعجائب الدرر

0
277

بقلم /ماجد بن محمد بن ناصر الوهيبي

إن من جميل الأثر أن يدون المرء الذكريات والعبر، لا سيما التي حفظها عن الأشياخ والأسلاف، وقد وفقنا الله وحفظنا البعض منها ، وما وعته آذاننا وسمعناهُ منهم ، وإن في بعض المواقف لأسرارٌ وعبر تذهل الأسماع وتدهشُ عقول البشر، وقد ينقسم الناس في تناقلها بين مصدق ومكذب ولكن هذه هي الحقيقة وهذا ما قدره الله وجرى في كتابته القلم وكل شيء بقضاء وقدر،

وقد سمعتُ حكمة من شيخي سعيد بن حمد الحارثي رحمه الله لمن يكذب بالكرامات التي تقع للناس بل ويجزم بعدم حدوثها ووقوعها، يقول الشيخ: مسكين هذا المكذب لم يذق طعم الكرامة لذلك كذب بها، ولسنا هنا بصدد الحديث عن الكرامات ولكننا أدرجنا هذه الحكمة هنا لأن الحديث في هذا المقال عن كنوز العِبر وقد أفردنا مقالًا عن الكرامات أسميناهُ ( لم الشتات في القول بالكرامات) ووقفنا الموقف الوسط بين هؤلاء وهؤلاء، فنحن لا نكذب بها وننكرها مطلقًا ولا نبالغ في تصديقها كلها وهي لا تثبت والكرامة تحدث لأي إنسان ارتبط في صلته بربه ارتباطًا وثيقا والأمرُ كله لله وبه الاستعانة وعليه التُكلان،

ومناسبة هذا المقال إلحاح بعض الأحبة وتواصل أحد الإخوة الذين يرغبون في جمع المواقف والعبر التي شهدناها مع الشيخ الولي سعيد بن حمد الحارثي رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى أو سمعناها منه، وفي حقيفة الأمر ليس كل شيء يباح به، والدر المكنون لا يعرض على الجميع، ومع هذه المطالبات والمناشدات استجبنا لهذه الرغبات، لا سيما وأنهم يجمعون هذه المواقف لإخراجها في عمل ينفع العباد برًا وإخلاصًا بشيخنا الحارثي عليه شآبيب الرحمة والرضوان،

ولذا نقول بحمد الله وتوفيقه، أوصاني شيخي سعيد بوصايا منها، أن أصطحب كتابه غرس الصواب في قلوب الأحباب وذلك أثناء سفري، لا سيما للحج أو العمرة، وأن أتذكر وجهه كلما رأيت الكعبة ومغزى ذلك الدعاء له، كان الشيخ يثني على ما أكتبه من مقالات، وقد أطلعته على مقال لي نشر في جريدة عُمان آنذاك بعنوان غموض الفتنة ودعوة المظلوم فأثنى عليه وقال لي: سلمت يمينك وكفيت ووفيت وجزاك الله خيرًا وقال لي علقه على اللوحات التي على مداخل المساجد لحاجة في نفس الشيخ، ووصية التقوى في السر والعلن والتي كان يوصي بها الجميع،

وحول هذا تأتي الثمرة لهذه الوصايا وذلك بعد وفاة الشيخ رحمه الله بفترة طويلة، وقد تواصل معي أحد تلاميذ الشيخ سعيد بن خلف الخروصي رحمه الله وأنا في مكة المكرمة ، وقد وصلت لمكة منذ ليلة واحدة فقط في ذلك الوقت أي منذ خمسة أعوام من الآن، وقد صحبت الأهل في تلك العمرة المباركة وقد عملتُ بوصايا شيخي سعيد بن حمد الحارثي رحمه الله وذلك بتذكرِ وجهه عند رؤية الكعبة والمغزى من ذلك أن ادعو له كما أسلفت، وأنا على هذه الوصية منذ أن كان الشيخ على قيد الحياة وفاءً له وبرًا به ولا ينقطع البر بأي حال من الأحوال لا في الحياة ولا في الممات،

ومفاد الأمر أن هذا المُحب تواصل معي وقال: لديّ أمر وجب عليّ إخبارك به ثم قال : كنتُ أصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ساعة ثم نمت بعد ذلك ورأيت الشيخ سعيد بن حمد الحارثي في المنام عليه شآبيب الرحمة والرضوان ، فلما سلمت عليه طلبتُ منه أمرًا ما قال : اذهب لماجد الوهيبي وبلغه سلامي واطلب منه ما طلبته مني قال الإمام وما العلامة قال الشيخ : أخبره بأن دعاءه لي قد وصل، وإمام المسجد هذا حيٌ يُرزق أمد الله في عمره ووفقه الله في ورده، فقلتُ له أبكيتني وأنا في مكة الآن وقد وصلت البارحه إلى مكة في وقت المغرب وهذا ليس بغريبٍ على شيخي سعيد رحمه الله،

وبما أن الحديث أتى هُنا عن هذه الرؤيا فإني أحفظ رؤيا قصصتها على شيخي سعيد وقد أخبرته بها وذلك عندما كنتُ زائرًا له في بيته وقد ذهبنا معًا لمسجد الرضا لأداء صلاة المغرب، وكنا بمفردنا أثناء ذهابنا للمسجد، وقد قصصت عليه رؤياي ولكنني توقفت عن السرد قليلًا وأنا أقصها فعاجلني بإكمالها فذهلتُ من ذلك وقلت له كيف عرفت أيها الشيخ، قال لا أزال في قلبك لذلك رأيتني في المنام، فسبحان من أودع الأسرار في قلوب بعض العباد ، وجعل ثوبهم التقوى وكساهم بالهيبة وأكرمهم بالتواضع،

و كنتُ أدخل عليه زائرًا له في منزله بالوشل وقت الضحى وهو يعالج القروح التي بقدميه من أثر القيام بمرهمٍ علاجي وكان يخفيه عندما أدخل عليه حيث كان يستقبل الضيوف آنذاك بمكتبه في الصباح وحتى الظهر وفي المساء كان يستقبلهم في المجلس رحمه الله وأجزل له العطاء،

ومما أحفظه عنه كذلك أنه كان يقلم أظافره كل خميس، وقد دخلت عليه في يوم الخميس كذلك وقت الضحى وهو يقلم أظافره فانتهزت الفرصة وسألته عن هذا الفعل في هذا اليوم بالذات فقال لي ورد في الأثر أنه من قلم أظافره أربعين خميسًا لم تصبه فاقة أي فقر ، كان شيخنا كريم النفس مُحبًا للغير لطيفًا في المعاملة، بهي الطلعة نوراني الهيأة تدل عليه أفعاله ومواقفه في حله وترحاله، قدم لنا في يوم من الأيام طبقًا كبيرًا من تمر الزبد وكأنني أراهُ الآن يلمع من كثرة عسله ورش عليه النارجيل المبشور ليحلي من طعمه، لم يكن الشيخ رحمه الله يبخل علينا بشيء وكان يجود بما في يده،

وأختم هذا المقال بوصية الرجل العامري، وهو من أشهر أطباء الأعشاب في ولاية فنجاء وقد كتب الله له أن يتحاوز المائة عام من العمر رحمه الله ، فقد أوصى هذا المعمر بأن يغسله الشيخ سعيد بن حمد الحارثي، وقد صحبنا الشيخ في تلك الليلة التي مات فيها هذا المعمر وكنا أربعة، كان الشيخ سعيد في مقدمتنا والشيخ عبدالعزيز بن حمود السيابي من سعال( الجفنين) وشقيقي الأكبر خالد وكنت رابعهم، أشرف الشيخ على الغسل وصلينا على الميت وتبعنا الجنازة وشهدنا الدفن وعزينا أهل الفقيد على رأس القبر، وأثناء عودتنا من هناك سألتُُ الشيخ هل تكتفي بهذا العزاء أم ستأتي من الغد للعزاء مُجددًا أجاب قائلًا: بل سنعود من الغد للعزاء بإذن الله،

وقد ذكر لنا الشيخ أن هذا الرجل كان ضليعًا بالطب والأعشاب ولا توجد عشبة من الأعشاب إلا ويعلم خصائصها ومنافعها للإنسان والعلة التي يمكن أن تداويها وقد تجاوز عمره المائة عام بل زاد عليها فرحمهما الله جميعًا ونفعنا بعلومهما، وما ذكرناه هنا عن شيخنا الحارثي ليس إلا النزر اليسير من هذه السيرة المشرقة.