التقاعد الإجباري أزْمة وتبعات

0
11437

محمد بن علي الوهيبي

بعد الإعلان المباغت لا زالت تبعات التقاعد تتوالى على المُقاعدين، حتى أصبحوا كمن ألقي بهم في البحر بعد أن قُيدت أيديهم وأرجلهم بقيود لا فكاك منها، ثم قالوا لهم: عليكم أن تعوموا لتصلوا إلى بر الأمان وأنى لهم ذلك الآن، بعد أن تركوا وحدهم يعانون ذل الديون وهمومها، والتي كانوا يخططون للانتهاء من تسديدها قبل خروجهم إلى التقاعد في عمر الستين، أو على الأقل تسديد الجزء الأكبر من هذه الديون قبل وصولهم للسن القانوني المحدد والمعروف، وهو السن القانوني للتقاعد وفق قانون الخدمة المدنية، وساروا مخططين وفق ذلك غير متوقعين تماما لما يمكن أن تصير إليه الأمور كما حدث اليوم.
إن ما يبعث في النفس الحسرة والأسى عندما يأتي البعض من الأشخاص ويطرحون سؤالا استفزازيا بغرض التهكم والسخرية غير مدركين حجم المعاناة والجهد الذي بذله جيل الموظفين المُقاعدين لخدمة هذا الوطن ورفعة شأنه عاليا ويقولون: لماذا مَن أكمل مدة 30 عاماً في العمل لازال يعاني من الديون؟ ولماذا استمر قرضه كل هذه الفترة الزمنية ولم يتم تسديده؟!
ويمكن أن نرد عليه أن الظروف التي لم تجبرك على اللجوء للبنوك للاستدانة أو الجمعيات كما هو حاصل مع غيرك، فإن من الأولى أن تكون شاكرا حامدا لله، فأنت بالتأكيد لا تعلم ماذا مر على هذا المقترض من أحوال وأهوال وضعته في هذا الموضع، وأجبرته مرغما أن يلجأ للدين والذي يدفع أقساطه شهريا من راتبه، وقد كان يُمني النفس أن يُنهي ديونه وهو على رأس عمله، بعد معرفة سنين الخدمة المتبقية له قبل التقاعد، ولكن وكما يقولون وقع الفأس على الرأس وحدث ما حدث

فهل نترك المُقاعدين وحدهم يجابهون مصيرهم هذا الذي ربما يلقي بهم في غياهب السجون، وكهوف الغياب، بعد هذا العمر وهم الذين أفنوا أجمل أعوامهم في خدمة هذا الوطن؟!!
ألا يمكن أن توعز الحكومة من خلال السلطة الممنوحة للبنك المركزي إلى كافة البنوك بالتوقف عن مصادرة مكافأة نهاية الخدمة المستحقة لموظفي الخدمة المدنية والتي هي في حقيقة الأمر دراهم معدودة مقارنة بمكافآت الجهات الأخرى!! ولا يكتفي هذا المركزي بعبارة نرجو مراعاتهم قدر الإمكان في محاولة استجداء يائسة!!
أليس من الواجب أن يوعز البنك المركزي أيضا للبنوك نحو إسقاط الفوائد المترتبة على ديون المتقاعدين، على أن تكتفي تلك البنوك بالفوائد التي حصلت عليها خلال الفترة الماضية، وتعاد جدولة القروض بعد معرفة المعاشات الشهرية للمقترضين ليتمكنوا من سداد ما عليهم بأريحية ودون ضغوطات تهلك أبدانهم وتقصف ماتبقى من أعمارهم، أليس من الواجب أن يتم تكريم الموظف بعدما بذل سنين عمره في خدمة وطنه بدلا من أن يتم إبعاده بهذه الطريقة دون تقدير لما قدم وأعطى وأخلص.
إن المتأمل كذلك في موضوع التقاعد يلاحظ أن بعض الوزارات احتسبت تقاعد موظفيها اعتبارًا من آخر يوم في العام الجاري بغضّ النظر عن رصيد إجازاتهم الاعتيادية أو غيرها، بينما احتسبت بعض الوزارات تقاعد موظفيها من تاريخ انتهاء إجازاتهم فهناك من كان تقاعده في شهر يونيو أو يوليو أو أغسطس وهكذا دواليك، رغم أنهم ينتمون جميعًا لمنظومة الخدمة المدنية إلا أن كل وزارة فسّرت أمر الإحالة إلى التقاعد بطريقتها الخاصة دون العودة إلى مرجعية واضحة، أو نظام محدد يسير عليه الجميع، وكان ينبغي من باب تخفيف الضرر على هؤلاء الموظفين على أقل تقدير هو أن يكون تاريخ 31/12/2020 التاريخ المُوحد والمُحدد لإحالتهم جميعاً إلى التقاعد الذي لم يحصلوا عليه نتيجة بلوغهم السن القانونية، كما أنه لم يأتِ بناء على رغبتهم، بل أرغموا عليه وأرغموا على تحمل تبعاته وأعباءه.
هي استفسارات وتساؤلات عديدة تدور في رأس كل مُقاعد، والمصير الذي ينتظره وهو يعاني بين مطرقة البنوك وسندان القروض!
فهل من مجيب ؟!