ألا يا صبا روي

0
1172

بدأ تشكل الوعي لدي بما يدور حولي في فترة خصبة من تاريخ هذه البلاد ، فبداية السبعينات من القرن المنصرم في تاريخ عمان .

ليست ككل البدايات فهي بداية عودة عمان إلى ما كانت عليه , أو لنقل لعلها تصل كما كانت عليه في ما مضى .

كان بيتنا الطيني يقع وسط الحارة القديمة بروي حيث انتقلنا منه بعد ذلك إلى حارة القرين و تم ذلك عام 1971ميلادي.

القرين الذي تجاوره أو تقع ضمن نطاقه طوي السيد أو طوي السركال…و التي شيدت في اطرافها مدرسة الوليد بن عبدالملك……..أعود إلى الحارة القديمة لألتقط بعض الومضات التي علقت في الذاكرة من تلك البدايات ……

IMG 20170329 WA1069

أنصت لغناء الأمهات لأطفالهن رغم شظف العيش وقسوة تلك الأيام لكن القناعة والرضى بالمقسوم كانا كفيلان بأن يزيلا كل إحن ومحن …وتجعل الحياة محتملة

بل ومبهجة وسهلة ..

كانت البيوت بعبقها القديم متقاربة وإذا مشيت في أزقتها وسكيكها تشعر بدفء وحميمية تلك الأماكن …….التي أكسبها سكانها الكثير من ترف العواطف النبيلة المتأصلة فيهم رغم بساطة عيشهم .

أتذكر…..أتذكر دكان العم مر (سوبر ماركت ذاك الزمان) بما يحتويه من مواد بقالة تغطي كل متطلبات الأسرة ، وما أبسطها كانت من متطلبات …. و دكان العم سويد الذي كان يتقن فيه فن صناعة الهريس وكنا نملئ (أوانينا من ذلك الهريس بآنات قليلة)…..وليس ببعيد عنه…… مخبز تنور العم جنكي (زنجيه) ، وما أحلى ذلك الخبز، وما ألطف ذلك الرجل …..

اتذكر أمكنة شوي السمك وبيعها، ليس ببعيد حاليا عن موقع محطة شل الملاصقة لمستشفى (أبولو) الخاص ، وبجوار جبلنا الأشم الذي كانت تنحدر من أعلاه شرجة البرده مع نزول غيث السماء……

وما عادت الآن تنزل بعد ما ضيعوا طريقها …….وأيضا بجانب الغافة التي نسيت أن تكبر…… عدت للحارة. … أتلفت للوراء لأرى الأجمل……. فرأيت كما يرى الرائي حارتنا القديمة بشخوصها أراهم يلوحون لي من بعيد …..أسمع ضجيج أصواتهم……ومناداتهم لبعضهم بعض…… من خلف الأبواب …….ومن خلف الأسوار الطينية …… وأسمع أصوات دوابهم….

أتذكر أذان المغرب في رمضان يرفع من طوي العلوية…… وكنا نركض بين السكيك لنقول أذون …. أذون….. أذون ….. بأعلى أصواتنا ليفطر الجميع على تلك الصرخات التي تصدر منا لأن صوت الأذان الذي يرفع من المسجد لا يصل لبيوت الحارة …… فلم تكن هناك مكبرات صوت بعد .

وربما يشكل عام 1979ميلادي بالنسبة لروي بعودة شيخها الجليل من زنحبار. الشيخ سليمان بن سالم بن عبيد الوهيبي عاما فارقا في تاريخها حيث فرح الجميع بعودته بعد أن قضى أعواما عديدة هناك .

أتذكر مزارع روي (طويانها ) وأصوات مناجير الزاجره وسنين زمطها ، وكانت تلك الطويان عبارة عن حدائق ورياض غناء تجود بخير كثير في كل المواسم. .. وأتذكر كثيبات الرمل قبل مركز الشرطه وعلى امتداد مكان السوق حاليا . ..و أشجار السمر ، والسدر. ..، وشجيرات الشوع.. والسرح. … والعسبق والسخبر. ….و الحرمل. …والجعدة. …و الشخر في أطراف روي .

أتذكر استعراض الرزحة بفنونها وشجنها وشجونها والمبارزة والمنازلة بالسيف وفنون العازي قبل أيام العيد، وفي أيام العيد ، وبعد أيام العيد ، والتي كان أبطالها وفرسانها العم سعيد بن عبدالله المعروف بإسم  (راعي غياضة ) وأبناؤه عبدالله وسيف ومحمد….. والعم ناصر بن سيف……وسعيد بن سويد (سعيود) ……. وبقية رفاق زمنهم الجميل وكانت أصوات الطبل والأهازيج تسمع من بعيد أتذكر ألعاب ذلك الزمن ……كانت الصولاة ….ولقف دوم….واللكد ……والحواليس أو الحويليس …… ثم جاءت كرة القدم فسحرتنا بفنونها وملاعبها الترابية التي كنا نلعب فيها في كثير من الأحيان حفاة ….بدون أحذية .

ورغم ذلك كنا نلعب بمهارة عالية …. وغرشة الفيمتو التي يسفح دمها عند كل عدم اقتناع بصافرة حكم أو بحالة هزيمة ……

وأتذكر القرين الجبل الصغير…..الذي صار بعد ذلك أثرا بعد عين، و كان يتوسط روي والبيوت التي تحيط به ، ومكتبة أيمن التي جاورته ‘ والتي من خلالها دخلنا لسحر القراءة وشغفها وعوالمها الجميلة .

أتذكر طوي السيد وغافها ومزروعاتها. …وتشييد أول مسجد حكومي فيها بجوار مدرسة الوليد بن عبدالملك في 1972ميلادي عرف فيما بعد بمسجد طوي السيد قبل بناء مسجد السلطان قابوس بروي الذي افتتحه جلالة السلطان قابوس في عام 1976 ميلادي .

ربما كنت من السعداء الذين عايشوا زمنين وشهدوا تطورات عديده .

ولكن بقي الحنين……للزمن الأول….. سلام لروي ولريح الصبا.

بقلم / محمد بن علي الوهيبي