النادي الثقافي ينظم محاضرة حول آفاق القصة القصيرة وممكناتها

0
135
كتب /عيسى بن عبدالله القصابي
نظم النادي الثقافي  في مقره بالقرم مساء اليوم محاضرة حول ” آفاق القصة القصيرة وممكناتها”  قدمها الكاتب والروائي الكويتي طالب الرفاعي  وإدارتها  الكاتبة هدى حمد. بحضور الدكتور سعيد بن محمد السيابي نائب رئيس مجلس إدارة النادي الثقافي و عددا من المهتمين ومحبي القصة القصيرة

و اشار المحاضر في بداية حديثة على انه ليس من باب المبالغة القول بأن حديثاً أكاديمياً موسعاً ومعمّقاً عن ممكنات القصة القصيرة وآفاقها، وتحديداً في الوقت الراهن، قد يكون واحداً من المواضيع الشائكة والصعبة. وبغية تناول الموضوع بشكل منطقي وسلسل،

وارتكز المحاضر خلال محاضرته على  نقطتين أساسيتين هما
ممكنات القصة القصيرة و آفاق القصة القصيرة حيث قال
ان التطرق إلى ممكنات فن القصة القصيرة كجنس أدبي، سيكون بمثابة مدخل لآفاق ومستقبل هذا الفن الصعب والمغوي والإنساني.

وقال وأنا أكتب عن ممكنات القصة القصيرة تحضر بي مقولتان: الأولى لواحد من أهم روائي ومنظري فن الكتابة وصاحب نوبل البيروفي/الإسباني “ماريو فرغاس يوسا- Mario Vargas Llosa” (1936- ) الذي يرى أن “القصة القصيرة، وعلى عكس الرواية ، قد تكون ضرورية لجميع الأغراض.” وإلى جانب هذه المقولة توجهني مقولة الكاتب الأمريكي، وأحد مؤسسي ومبدعي فن القصة القصيرة “أدغار ألن بو-Edgar Allan Poe” (1809-1849) التي تشير إلى أن: “القصة القصيرة بناءٌ، لا يمكن حذف كلمة واحدة منه وإلا انهار كامل البناء.” وأظن بأن هذا هو مأزق وعظمة فن القصة القصيرة. فكيف يمكن التوفيق بين جنس أدبي مترامي وحي ومتحرك يتسع ويكون ضروري لجميع الأغراض، ومن المفترض، في الآن نفسه، أن يكون دقيقاً ومحكماً لدرجة أن حذف كلمة واحدة منه قد تؤدي إلى انهيار كامل مبنى القصة؟!

واضاف إن الإنسانية تحيا لحظة متسارعة ومتشظية بثورة معلوماتها واتصالاتها، وتقنياتها المتجددة والمنفلتة، وشبكات تواصلها الاجتماعية. لحظة صغّرت العالم حتى ما عاد قرية كونية، لكنه غدا غرفة صغيرة أو ركناً كونياً صغيراً. الجميع يشاهد الجميع، والجميع يتسمع للجميع، والجميع يتصل ويتواصل مع الجميع. ولهذا بات يصعب جداً مجاراة سرعة دوران هذا اللحظة والإمساك بها. وهذا يقول فيما يقول بصلاح فن القصة القصيرة، كجنس أدبي، لمجاراة هذه اللحظة. انطلاقاً من كونها تلتقط لحظة عابرة لتكون عالماً زاخراً بالحياة.

ونوه قائلا إلى أنه بسبب  اعتمادها كإبداع نثري على لغة مكثّفة وموحية وإنسانية. وكونها تتخذ من المشهد الإنساني البسيط، حدثاً لها.
وأخيراً فهي تعتمد، في زمن قصّها/زمنها اللحظي، على مشهدٍ قد يستغرق لحظات زمنية لا تتجاوز الدقائق أحياناً.

واشار الى ان النظر إلى أهمية ونتاج أي فنٍ يجب لا يكون في معزل عن اللحظة الإنسانية التي تجاوره: علمياً وفكرياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. ولأن اللحظة التي نحيا هي لحظة متغيرة، فإن ذلك ينعكس تماماً على قدرة عناصر البناء القصصي، على أن تكون متغيرة، ومن يتابع المشهد القصصي العربي والعالمي، يدرك تماماً حيوية المشهد، وكثرة مغامرات التجريب فيه. وبما يؤكد على حيوية العلاقة بين جنس القصة القصيرة وبين اللحظة الإنسانية الراهنة. مع التنويه إلى إن الرواية قد تمثل فترة زمنية أو بيئة، بينما تنتمي القصة القصيرة وتمثل حساسية كاتبها تجاه لحظة زمنية خاطفة وبمذاق حريف!

وقال الرفاعي إن واحدة من أهم مميزات القصة القصيرة هو كونها تركّز على لحظة بعينها فتجلي حقيقة هذه اللحظة، حتى أن الكاتب الفرنسي “دي غي موباسان-Guy de Maupassant” (1850-1893) يرى “إن هذه اللحظات العابرة في الحياة التي يلتقطها الكاتب لا يمكن التعبير عنها إلا من خلال القصة القصيرة التي تصور حدثاً معيناً لا يهتم الكاتب بما قبله أو بعده. وهي لحظات قد تبدو في نظر الرجل العادي لا قيمة لها، ولكنها تحوي من المعاني قدراً كبيراً.”

واضاف إن واحدة من أهم ممكنات القصة القصيرة، هو ما لحق بها من حيف جراء كلمة القصيرة التي ارتبطت بها وهيأت للبعض اعتقاداً بسهولة الدخول إلى عالم الكتابة عبر القصة. لكن هذا الحيف له وجه مهم ومفيد وهو كون القصة القصيرة أصبحت وستبقى صديقة للكثير الكثير من الكتّاب الشباب حول العالم، منها يلجون لبستان الكتابة، وهذه الصحبة تقدم لفن القصة ممكنات هائلة بانكشافه على الحماسة والتجريب والتجديد.

لقد غدا اشتباك فن القصة القصيرة، بسبب من حيويتها وتعدد إمكانياتها مع باقي الأجناس الأدبي والفنية أمر واضح ومتعدد الجوانب. فالقصة تكاد تكون أقرب الفنون إلى الشعر، وهي حاضرة في المسرح والتشكيل والسينما، وأخيراً فهناك الكثير ممن يصرّ على عقد مقارنة بين الرواية والقصة. كون بعض التشبيهات البليدة تخلط بينهما، أو ترى أن الرواية هي مجموعة مشاهد قصصية، أو أن القصة القصيرة هي رواية صغيرة. وهذا فهم إبداعي أدبي قاصر وغير صحيح. فبعيداً عن جميع المقارنات بين الفنيين، يجب التأكيد على أن فن القصة القصيرة هو فن مختلف تماماً عن الرواية، وأن عناصره بلغته المكثفة وزمانه وسرده وحواره وشخوصه وحبكته، وبقدر ما تتلاقى مع عناصر الرواية، فإنها تتخذ لنفسها سياقاً آخر مختلفاً يعرفه تماماً كل من خبر واستمتع بكتابة وقراءة القصة القصيرة. حيث الانسجام المطلق هو روح القصة وكذا سرعة تدفقها، فكل كلمة تؤدي دوراً مهماً ومحسوباً بدقة متناهية، وهذا ما لا يتوفر للنص الروائي بسبب من طبيعة المشهد الروائي والكتابة الأفقية النهرية للرواية.

إن اقتراباً من عالم المترجم الغربي، والناشر الغربي، اللذان ينظران إلى طباعة ونشر الكتاب بوصفها عملية إبداعية ثقافية تجارية، يظهر لمن يود المعرفة، بأن ذائقة القارئ الغربي تشكّلت، عبر عقود وعقود، وجزء منها مرتبط بحجم الكتاب، ولهذا فإن هذه الذائقة الغربية تنجذب إلى الأعمال الروائية بحسب كبر حجمها، مقارنة بحجم المجاميع القصصية الأقل حجماً. خاصة وأن كتابة مجموعة قصصية وبعدد كبير من القصص يضع الكاتب أمام قسوة حكم القارئ بتفاوت المستوى الفني والتأثير النفسي الذي تخلّفه كل قصة.

إن الرأي القائل بانتشار الرواية الكبير حالياً على صعيد: الكاتب، والناشر، وجمهور القراءة، والجوائز، يضعف القصة القصيرة رأي لا معنى له، وهو إذ يشير إلى تواري القصة القصيرة خلف غلالة اللحظة الراهنة، فإنه يؤكد على حضورها بين من يهتم بها: كاتباً وقارئاً وناشراً وجائزة. علماً بأن خارطة القصة القصيرة في الغرب، وفي الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً، تحظى بتنوع زاخر وتقسيمات قصصية كثيرة، وبما يوحي بحيوية مشهد القصة القصيرة، وسعة إمكانياته ليستوعب أشكالاً عصرية جديدة.

وحول  آفاق القصة القصيرة قال المحاضر طالب الرفاعي ان
الحديث عن آفاق القصة القصيرة يعني بين أمور أخرى الحديث عن آفاق الفن الإنساني بعمومه. فالقصة القصيرة صاحبت مسيرة البشر منذ اكتشاف اللغة، بل أنها أصبحت ومع مرور الوقت واحدة من أهم وأعظم النعم التي أنعم بها الوجود على الإنسان. وذلك بسبب قدرتها السحرية العجيبة على مدِّ جسور الودِّ بين الإنسان والإنسان، ونقل الخبرة البشرية. وكذلك ارتباطها بالحكي والإخبار من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة فإن القصة تعدُّ واحدة من أهم الوسائل التي عرفها الإنسان للترويح عن نفسه، والتخفيف من عبء وقسوة وعدم عدالة الحياة. وفي المحصلة فآفاق القصة تظهر ازدهارها الدائم، خاصة وعصر القلق والاضطراب والأمراض النفسية التي يحياها البشر.

واشار ان أحد أهم ما يميّز القصة القصيرة هو هذا الشبه الكبير الذي يجمع بينها وبين الفيلم السينمائي، فكلاهما ينهض على قصة ترتبط بالواقع بشكل أو بآخر أو تومئ إليه، وتتجاوزه بتوظيف خيالات صنّاعها. فالقصة والفيلم يقتطع مشاهد من الحياة ويصورها بوصفها الحياة بأسرها. وكلاهما ينهض على لقطات تحبس الأنفاس، وكلاهما يعتمد التكثيف ويخفي بقدر ما يظهر. ولذا فإن ازدهار السينما هو ازدهار في أفق القصة القصيرة. وغني عن القول القفزات الهائلة التي تحققها صناعة السينما وعلى رأسها شركات انتاج هوليوود.

وقال قد اقترنت القصة القصيرة، وعلى الأخص في عالمنا العربي، بالجريدة والملحق الصحفي الثقافي، ومرد ذلك لا لشيء إلا بسبب من قصرها، وإمكانية نشرها. وهذا الملمح ما زال حاضراً وسيبقى. فإذا ما أخذنا بالاعتبار حرص الصحافة المتزايد على ملء مساحة صغيرة، وكذلك طبيعة المتابع لمواقع التواصل الاجتماعي، فيبدو واضحاً كم هو مفتوح وسالك أفق القصة القصيرة. ويتجلى ذلك اليوم بعدد كبير وكبير جداً من المواقع الإلكترونية التي تهتم بالقصة القصيرة عربياً وعالمياً، وبمختلف لغات الأرض.

واضاف إن تناول الزمن كمفهوم فلسفي بوصفه أحد أهم عناصر الكتابة النثرية في الرواية والقصة يظهر بشكل أفقي في الأعمال الروائية، سواء كان إلى الأمام أو إلى الخلف. ويكون حفراً رأسياً في الزمن القصير للقصة القصيرة. ونظرة متأملة على طبيعة الزمن القائم، وعلاقته بمتغيرات المعرفة تظهر أن القصة القصيرة، بسبب من قصرها، واقتصارها على مشهد حياتي عابر، أقدر ما تكون على مجاراة لحظة زمننا الراهنة. لذا فإن كاتب روائي بقامة الأمريكي الأشهر “فيلب روث-Philip Roth” (1933-2018) يقول: “جنس الرواية يحتضر، ولا أظنه يعمّر لخمس وعشرين عاماً.”

واشار الى انه إذا كانت قصة “المعطف” للروسي “نيقولاي غوغول –Nikolai Gogo” (1809-1852) التي نُشرت عام 1842، قد نزلت بكتابة الأدب/القصة إلى أرض الواقع اليومي والإنسان البسيط، فإنها فتحت باباً واسعاً للكتابة عن عالم المهمشين والمنبوذين، حتى أن أحد أعظم من كتب الرواية في العالم “فيودور دوستويفسكي- Fyodor Dostoevsky ” (1821-1861) يقول: “كُنا خرجنا من معطف غوغول” ويعني قصة المعطف. وبذا فإن فن القصة القصيرة هو الأقدر بحكم عناصره الفنية على محاكاة الواقع والكتابة عن الإنسان المهمش، الذي يشكّل غالبية البشر، وهذا ما يجعله دون غيره أقدر على البقاء والمضي إلى الأمام. خاصة وأن لا شكل محدد للقصة القصيرة، وأنها نص مفتوح على التجريب والخيال والفنتازيا.

إن وقوفاً مستحقاً أمام عوالم أحد أجمل أجناس الكتابة الإبداعية، وأعني بذلك القصة القصيرة، يُظهر وبشكل واضح أن إمكانيات هذه الجنس غير محدودة، وأنها تنتح من موهبة وخبرة ومعين الكاتب، مثلما تتأثر بما يحيط به من ظروف فكرية وثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية. وبذا فإن فن القصة يتشكل من متغيرين أساسيين هما: الكاتب والبيئة، ولأنه كذلك فسيبقى فنا متجدداً ومعبراً عن لحظته، وقادراً على تمثّلها وتمثيلها. وهذا ما يؤهله لأن يكون حاضراً في أفق الكتابات الإبداعية الإنسانية ويضمن بقائه ما بقي الإنسان، وما بقيت الحاجة لكتابة تعين الإنسان على تحمل اضطرابات ولا عدالة الواقع.