عن ناصر البلال *

0
346

لن أتحدث هنا عن الشاعر واللغوي ناصر بن علي البلال المخيني وشذاه الشعري واللغوي ، ناصر الذي رحل مبكرا في حادث سير بمدينته الأثيرة صور ؛ فقد كتب أصدقاءه ومحبوه في هذا الجانب الكثير والكثير وان كان الجانبين الشعري واللغوي لناصر لهما أبعاد كثيرة من الصعب سبر اغوارهما في ملف لملحق ثقافي في جريدة و مقالات متناثرة هنا وهناك .

 فهو صاحب رائعة *حورية البحر* حين قال لمدينته صور. .. (صباح الخير يا حورية البحر صباحا ملؤه الأشواق يا بحرية القسمات والنشر صباحا أشرقت من زهوه الأحلام…….الخ) وسأتحدث هنا عن ناصر الصديق والتربوي فهو من أوائل من اشتغل بمهنة التعليم وأخلص وأعطى الكثير لهذه المهنة.

فقد كان أول لقاء جمعني مع ناصر البلال عندما كنت أ عمل معلما في مدرسة دارسيت وتم ذلك في عام “85” من القرن المنصرم وكنت حينها أشرف على الإذاعة المدرسية وكان ناصر نائبا لمدير إدارة التربية والتعليم لمنطقة العاصمة وفق هيكلة وزارة التربية والتعليم لإدارات التربية والتعليم للمناطق التعليمية في ذ لك الوقت فكان ناصر مسؤولا تربويا و من ضمن مهامه تفقد ومتابعة سير اليوم المدرسي بالمؤسسات التربوية من كافة جوانبه سواء من الجانب الإداري للمدرسة أو أداء المعلمين وامتلاكهم لأدوات التدريس ومدى تمكنهم من أداء المهام الموكلة إليهم والإطلاع على مستويات الطلاب ومدى استيعابهم للمناهج الدراسية و الأنشطة المدرسيه .

والطابور المدرسي هو أول فعاليات اليوم الدراسي وبطبيعة الحال يشتمل الطابور على مجموعة من الفقرات من ضمنها الإذاعة المدرسية التي قسمت حسب أيام الأسبوع الدراسية الستة (من السبت حتى الخميس) لثلاثة أقسام قسم للفصول الدراسية لكل فصل يوم وحددت لهم ثلاثة أيام ويومين للجماعات الطلابية كجماعة الإذاعة وجماعةالصحافة وجماعة الرحلات وجماعة الكشافة …

تتناوب عليه بحيث تأخذ كل مجموعة يوما في الإذاعة المدرسية تستعرض فيه أنشطتها وإنجازاتها وبقي يوم كنت قد خصصته لفئة خاصة من الطلاب وهم الذين لايرغبون في الظهور أمام زملائهم والوقوف في الطابور لأسباب منها التأتأة والثأثأة ومنها ما يعود للتنشئة في البيت والمجتمع بشكل عام وبما أننا في مدرسة كان لابد لنا من مساعدة هؤلاء الطلاب للتغلب على تلك المشكلات عن طريق دمجهم في الأنشطة المدرسية لتجاوز تلك الصعوبات وأهمها الإذاعة المدرسية التي تساعدهم كثيرا في ذلك.

وصادفت زيارة ناصرالبلال للمدرسة اليوم الذي تم تخصيصه لتلك الفئة الخاصة من الطلاب، وعندما رأيته واقفا في الطابور هو والأستاذ خير سرحان مدير المدرسة قلت في نفسي ما الذي أتى بهذا المسؤول في هذا اليوم !! بالتأكيد لن تعجبه فقرات الإذاعة وسأتهم بالتقصير والإهمال فبطبيعة الحال سيرتكب الطلاب مجموعة من الأخطاء في نطق بعض الحروف أو يرتبكوا أمام زملائهم وربما لن يترك لي المجال لي للتوضيح عن هذه الشريحة من الطلاب وعن التوزيع الإسبوعي لبرامج الإذاعة وكذلك لن تتاح لي الفرصة للإشارة بأننا في مدرسة بمعنى أنه المكان الطبيعي للتعليم .

رغم أن تلك التجربة قد بدأت تأتي أوكلها في الإرتقاء بمستويات الطلاب- وبعد أن قدموا الموضوعات المحددة لهم حسب قدراتهم وانتهت فقرات الطابور  انصرف الطلاب إلى فصولهم ، وما أن دلفت إلى فصلي لأداء الحصة الدراسية الأولى وما كدت ابدأ إذ يأتي من يخبرني بأنني مطلوب لمكتب مدير المدرسة على الفور .

وما أن دخلت وجدت ناصر جالسا على الكنبه فقال لي تعال يا أستاذ مردفا وقبل أن أجلس أانت مشرف الإذاعة المدرسية -لاحظت من بداية حديثه مدى حرصه على نطق كل حرف بحرص شديد جدا وبأنه لا يظلم عنده الحرف مطلقا سواء من حيث الرفع أو الضم أو الكسر أوفي حال السكون اتضح لي ذلك جليا بعد أن دار بيني وبينه الحوار التالي. . يبدو أنك لم تحضر لطلابك مواضيع الإذاعة بالشكل الصحيح يا أستاذ

 فأجبته كيف استنتجت ذلك يا أستاذ فأجابني على الفور من أداء الطلاب يا أستاذ – طبعا كنت أحاول أن أجاريه في أداءه اللغوي و اكتشفت فيما بعد بأنه لا يجارى ولايبارى فاللغة العربية ميدانه الواسع  ( وكان له ماركة مسجلة بإسمه في الحديث والنطق والإلقاء الشعري لايمكن لأحد الإقتراب منها ).

وكنت قد اصطحبت معي ملف الإذاعة المدرسية الذي يتضمن شرحا كاملا عن كل يوم إذاعي والأهداف المتوقع تحقيقها وقبل تقديمي الملف لهذا المحاور الشرس أوضحت له في شرح تفصيلي عن البرنامج الإذاعي اليومي ثم شرع في الاطلاع على الملف ورقة ورقه وبتمعن شديد ثم انتفض واقفا وصاح بصوت جهوري أحييك أحييك يا أستاذ استمر في طريقتك هذه وسأسعى لتعميمها على بقية المدارس أدركت حينها أنني أمام مسؤول تربوي من طراز نادر جدا قل أن يجود الزمان بمثله .

ثم استكمل ناصرالبلال زيارته للمدرسة فصلا فصلا يناقش الطلاب ليطلع على تحصيلهم العلمي ويقرأ دفاتر تحضيرالمعلمين ليتأكد من مدىالإستعداد الجيد لكل درس ومطابقته للخطة السنوية وأذكر بأنه جال في المدرسة إلى آخر اليوم المدرسي بلا كلل ولا ملل ، كما أذكر لقاءاتنا بعد ذلك في المديرية العامة للمناهج وخاصة تلك اللقاءات التي تتم بوجود بعض الإخوة العرب خاصة ممن يحملون درجة الدكتوراه في مجال اللغة العربية أو الحرف (دال) كما يحب ناصر أن يقولها دائما .

فيبدأ ناصرالبلال في النقاش محاورا لهم في شتى دروب ومسالك اللغة العربية مستشهدا ومستدلا بآيات قرآنية كريمة أو بأبيات شعر من كل العصور بطريقة لا يجاريه فيها أحد وبملكة حفظ عجيبة وكنت أشفق على محاوريه كثيرا بالرغم من أن ناصر لم يكمل تعليمه ولكنه كان رحمه الله يفحم أعظم أساتذة اللغة العربية .

وأختم مقالي بأبيات من رائعته

*الأعشى في سوق صحار*

(عانق صحار أقام الركب أم رحلوا.. وألثم ثراها فمنها ترتوي القبل صناجة العرب ألمم. .

فالنديم هنا.. وذي “هريرة” تهفو نحوها المقل . …. الخ) *

محمد بن علي الوهيبي