القيض

0
112

قصة بقلم يعقوب بن راشد بن سالم السعدي

حان موعد القيض فقد جاء الصيف في هذه السنة مبكرا ليس على عادته ، تلفح وجوهنا حرارته لتكسوها ثوب السمرة ولسعه جميلة تخضب الوجنة باللون الداكن ، رغم إننا لم نقدم إلى البلد إلا في موسم القيض إلا إننا بهذا المنظر تحولنا من حضر في المدن إلى فلاحين في القرى الريفية الجميلة ، فكتسينا ثوب البيدار الذي تمرغ عرقة بتراب الأرض ورائحته بعطر الشاموم والسفرجل والنارنج وبعض من ثمار الياس والحناء ، ما أجمل أن تعيش في سفوح القرية التي تطل نخيلها الوارفة على شرفة الوادي وتحتظنها الجبال من الجانبين ، تشقها الأفلاج من الوسط لتنساب بين النخيل وأشجار المانجو والرمان والموز والليمون ، خرير الأفلاج وهي تسقي جلبة الحرية والبر والقطن ينساب إلى الآذان كأنه موسيقى بتهوفن ، تستيقظ في الصباح الباكر مع سقعة الديك قبل موعد آذان الفجر بقليل ، تحمل دشداشتك وتضعها على كتفك بينما تحمل بيدك اليمنى عصى القصم وبيدك اليسرى تحمل البجلي لتنير به الطريق الذي ما زال يتدثر تحت عباءة الليل ، تنسل بين الأشجار في طريق الضاحية متوجها إلى الفلج لتخبش وجهك وتغسل فمك من حلام ليلة الأمس ، ثم تغمس رجليك في ساقية الفلج لتبدأ أعمال الوضوء للصلاة ، تتوجه بعد ذلك إلى المسجد الذي قد سبقك إليه شيخ عجوز أقض مضجعة ليلة أمس ذكر ربه وصلوات نبيه محمد ، على روازن المسجد وضع قنديل ابو فتيلة الذي تغمر عنقة زجاجة طويلة تحافظ عليه من الإنطفاء ، ترى الجموع من أهل القرية تتهافت على المسجد صغارا وكبارا .

وكل ما دخل علينا فرد إلقى تحية الصباح ( صبحكم الله بالخير ياجماعة ) ، وعندما يعلن الإمام إنقضاء صلاة الفجر يتوجه الجميع إلى بيته والبعض منهم إلى عمله في الضواحي والحقول ، أما أنا فتعودت إنتظار قروص أمي التي تطبعها على واجهة الطوبج ثم ترشها بسمن البقر وقليلا من عسل النحل ، يسيل لعابي في طلبها قبل أن تنتهي أمي من تحضيرها كلها ، لكني أظل أنتظر وأنا أتحدث مع أمي عن مشواري القادم بين سواقي وجلب النخيل لأجمع الرقاط من تحت النخل المتساقط بعض خلاله من العذق مع بعض من الداموك ، وأنا أحمل مخرافتي الصغيرة المنقوشة بخوص النخيل المدهونه بصبغة النيلة البنفسجية ، تناولت القروص بنهم شديد وكأني لم أذقها من قبل ، لا أدري هل طعمها يتغير بتغير طبيعة المكان .. لا أدري ؟!

جاء أبن عمي حامل معه زبيل يرظف مخرافتي مرتين في حجم إتساعة ، لكني علمت أنه سوف يعاني التنقل من جيل إلى جيل في الضواحي إذا ما أنتصف زبيلة من الخلال والبسر وبعضا من الداموك ، أجمل ما في الضواحي هو صوت الطيور المغردة التي تعيش معها أجمل ساعات عمرك ، أبو النويز طائر صغير يتحنى ظهره بلون أزرق غامق يميل إلى السواد وبطنة أبيض ناصح ، بينما طير البوبي رمادي اللون مع بني فاتح ومنقارة الذي يتوشح بالسواد يبهرك حين يقول وهو يصدح بصوته الجميل ( كلتيه السودا .. شوب الخال في الكنبلي .. كلتيه السودا ) والأسطورة تقول أن البوبي يحاكي الحمامة ويتهمها بأكل شوب الزيتون من مكان يسمى الكنبلي ) .

هكذا أخبرونا الناس من أهل البلد ونحن صغار ، حكايات غريبة جدا أحيانا تتعدى الخيال بل في أحيان أخرى تتفوق عليه ، بعد ما ملأنا المخرافة والزبيل من الرقاط توجهنا إلى الجبة وهو مكان عبارة عن واحة كبيرة طويلة تمتلئ بالماء تسمى الجبة ، وهي جزء لا يتجزء من نهر بواد الذي يمخر الوادي عبره في حالة نزولة عند هطول الأمطار ، تركنا كل شيء كان معنا أنا وأبن عمي مع ملابسنا ونزلنا نسبح في الجبة ، وعندما إنتهينا لم نجد في المخرافة ولا الزبيل شيء من الرقاط مطلقا ، من عساه الذي سرقنا ونحن غافلون نسبح في الجبة مستمتعين بالماء الدافي في موسم القيض ، وعندما رجعنا إلى البيت وشاهدتنا عمتي رحمه الله عليها ، قالت لنا .. هين الرقاط ولادي .. أشوفكم راجعين خليين كما سرتو ، أخبرناها بما جرى معنا فضحكت ضحكا شديدا أحمرت وجنتيها من كثرة الضحك فقد كانت رحمة الله عليها بيضاء جميلة ، وهنا سألناها لكن لم نكن نناديها بأسم عمتي إنما بأسم أمي فهي ربتنا كما ربتنا أمهاتنا فقد كانت الأخت الوحيد لأباءنا ، كما إنها لم يتبقى لها أبناء على قيد الحياة ، كلما أنجبت يعيشون لفترة معينة من الطفولة ثم يفارقوا الحياة دون سببا مقتع ، .. ماه حال موه تضحكي علينا ، فردت .. أضحك على ولاد الشواوي يوم شلولكم رقاطكم وأنتوا فاكين ثمكم ، هنا عرفنا من الذي سرق الرقاط ، تجمعنا للغداء على صينية كبيرة وصحن عيش وخنباشة مالح ، نسميها في البلاد هكذا والبعض يطلق عليها ( معصورة )

وبعد الغداء ضمنا العريش تحت شجرة مانجو متوسطة الحجم مع أباءنا وأخذنا قيلولة حتى قرب موعد آذان العصر ، ثم بعد إنتهاء الصلاة توجهنا إلى الضاحية لنساعد عمي في السقي ، وأجمل ما كان في الضاحية مكينة الديزل التي تضخ الماء من اليم إلى الحوض المرتبط بالساقية ، فقد كانت رائحة دخان مكينة الديزل يستهويها أنفي وصدري ، لن أنسى تلك اللحظة ما حييت ، لن ولم أظن في يوم سوف أعشق الضاحية والقرية بسبب رائحة دخان مكينة الديزل المحترق ،آآآآه له احساس أخر في الأنف لم أشعر به من قبل ، كنت أتابع عمي رحمه الله عليه وهو يسقي الضاحية معتمرا مصره وفالينته ووزاره الأبيض الذي أثناه إلى خاصرته حتى لا يلامسه ماء الساقية ولا تتعلق عليه حشرات المكان ، وبين سقي جيل وآخر كان عمي يجلس على طرف ساقية الفلج يدندن بشلة الال ، يسلي نفسه ويقصر وقته بين حنايا الضاحية التي هي له بمثابة جنة ، فقد تلاقت أغصان أشجارها وأوراق وزور سعف نخيلها ، ما أجملها من لحظات جميلة مع زقزقة الطيور وخرير الماء وشلة الال ، لقد أفتقدت إلى هذه السمفونية الجميلة التي تعزفها الطبيعة بقدره المولا الخالق الذي أبدع في خلقه ، آه ياقريتي الرائعة أين كنتي تخبئين هذا الجمال الذي يثلج النفس ويبعث إلى الراحة ، وعند قدوم الليل بعد صلاة المغرب كنا نجلس للعشاء مبكرا قبل صلاة العشاء .

ونحن نتناول العشاء كان صوتا قوية يصل إلينا من الجبل المقابل لنا ، فسألت والدي ما هذا الشيء المخيف ، قال إنها قعاشة والعياذ بالله ، قلت وأنا أفكر ما معنى قعاشة ، ثم طرحت السؤال عليهم جميعا ، ما معنى قعاشة ؟ ، فأجاب أبي إنها أنثى الثعلب تخبرنا بأن غدا سوف يكون غدا تعيسا مليئا بالحزن ، قلت له .. لماذا ؟ ، قال سوف يموت أحدهم ، فالقعاشة لا تقعش إلا إذا أحست بالحزن على فقد أحدا من أهل القرية ، هكذا كانت تقول الأسطورة ، والبعض يعتبرها فآل شر فهي تأتي ويأتي بعدها الحزن ، لقد ترسخ في ذهني منذ ذلك اليوم بأن أنثى الثعلب تجلب ورأها الشر والحزن ، فأصبح بالنسبة لي حتى اليوم عند سماعها أصاب بنوع من الكآبة والحزن ، رغم أنني أدركت بأن هذا الحديث هو نسج من الخيال فلا يعلم الغيب إلا رب الغيب ، لكنه هكذا غرس في ذهني وقلبي منذ الصغر ، وبعد صلاة العشاء كنا نجلس رجال ونساء متجمعين في فناء البيت ( الحوش ) ومنهم من يفضل الجلوس في ( الدهريز ) ويستمع إلى حكايات جميلة ومرعبة أحيانا ، فسكون القرية بالليل المعتم يبعث في النفس بعضا من الرهبة والخوف بسبب ظلمة المكان ، نعلق القنديل على وتد خيمة تسمى ( الشندروه ) تفترش ( الدعن ) التي ننام عليها ، فيجلب ضوء القنديل كل حشرات الكون الطائرة التي لم تراها في حياتك إلا في القرية ، وهذا يرجع إلى وفرة الماء وكثرة الطين والمستنقعات الصغيرة التي يتكاثر فيها البعوض والهموش وغيرها من الحشرات الطائرة ، أسترسل عمي رحمه الله في القصة المشهورة التي يحبها ويحب أن يسمعنا لها كل قيض ، تميم العشرين والقصة الأخرى كان أسمها خوي الجواري ، نعم كنا نسرح معه بالخيال لنعيش تفاصيل القصة بدقة متناهية حتى إذا قفزت ضفدعة ( قرة ) بالقرب منا خرجت روحنا من أجسادنا خلال تعايشنا مع أحداث قصص عمي المخيفة أحيانا والباعثة إلى الشجاعة والتهور أحيانا أخرى ، وفجأة سمعنا صوت قوي يتسلق نخلة الخصاب التي تطل من الضاحية إلى فناء البيت ثم سقط ( شمروخ من عذق الخصاب ) ، قلت ما هذا ، هل الجني وصل ، فضحك الجميع بشدة ، وقال لي عمي أن هذا ( الخاب ) ، قلت في تعجب ( خاب ؟!! )

ماذا يعني هذا ، قال لي والجميع مستمر بالضحك أنه فأر الحقول يتسلق ويتغدر النخيل ليقص الثمار ، أنه فأر يسعى إلى خراب محصول الرطب كل سنة ، وأستدرك عمي راجعا لحكاياته الجميلة المرعبة ، وبينما هو على ذلك إذا ببعض الرؤوس بدأت تسجد وتميل إلى النعاس فختم عمي حكايته قبل نهايتها بقوله المأثور ( قرش أنصر وقرش أنطر .. وقرش حال بو يسمعوا الخبر ) ، عبارات جميلة لم نسمعها من قبل تكمل تعايش الحكاية بعد ما تنتهي وكأنك ما زلت حبيس الحكاية حتى تخلد إلى النوم ، نعم النوم الذي تصحبك معه الكوابيس المترسخة في ذهنك من حكايات تلك الليلة ، خارج ( الشندروه ) تسمع معارك البعوض الطاحنة وهي تطنطن وكأنها تسكن طبلة أذنك ، ياإلاهي ما زالت القعاشة ترسل صوتها المخيف إلى مسامعنا ، تمنيت لو إنها تتوقف ، فقد شغل كل تفكيري ما هو الحزن القادم الذي ينتظر القرية غدا صباحا ، وكأني كنت عدوا لأصوات كثيرة من قبل فلن تتوقف حتى الصباح وما أكمل المشهد بعد ما ساد الهدوء هو صوت ( المسيهروا ) الذي ضل طول الليل يشدوا بألحانه المزعجة ، في الصباح الباكر كنت أترقب ما الذي سيحدث فعلا ، وهل قصة القعاشة حقيقية أم هو خيال يبنى على حقيقة بسبب مصادفة ما وقعت خارج حدود التحكم فلعبت الصدفة دورا في ترسيخ مفهوم القعاشة

كنا عائدين من الجبة سابحين ونسير على ساقية الفلج حين سمعنا صراخ النسوة يتبادر إلى أذاننا كلما أقتربنا من البيوت بالقرية زادت حدة صوت عويل النساء ، جرينا نسابق بعضنا بعض فوق ساقية الفلج ، الفضول في معرفة سبب عويل ونحيب النساء هو الدافع وراء تلك الحيوية من النشاط الذي دب فجأة في أوصالنا وأصبحنا كالضباء نقفز من الساقية إلى الأخرى حتى عرجنا إلى أعلى لنقترب من بيوت القرية ، عند وصولنا شاهدنا التجمع الغفير من الرجال والنساء ، أدركنا أن أحدا قد فارق الحياة ، هنا تيقنت بأن القعاشة فأل شر تعقبه مصيبة وحزن ، في صباح اليوم الثاني تمنطق أبي خنجرة وعصاه وقدم لي وهو يناولني ( الحزاق ) والعصى وقال لي وهو يغادر الغرفة .. لبس الحزاق وجيب عصاك ولحقني بنسير العزاء نأدي الواجب ، تبعت أبي وهو يسير أمامي حتى وصلنا تحت شجرة ( لمبا ) مانجو كبيرة كانت عبارة عن مجلس للعزاء ، سلمنا على الجموع الغفيرة الموجودة ثم جلسنا ، تقدم صبيان نحونا أحداهما يحمل السح ( التمر ) والأخر دلة القهوة ، شرب أبي القهوة وأكتفيت أنا بأكل بعض تمرات من السح ، تجاذب أبي أطراف الحديث مع أحدى الرجال ثم ألتفت نحوي وقال لي .. تعرفه ذا من ؟ ، فقلت له متعجبا من سؤال لأني لم يسبق لي ولتقيت به أبدا ، قال هذا زوج أبنة أختي جاء من صور معزيا للجماعة أسمه سعيد ، مد يده مرة أخرى وصافحني ثم هز يدي وقال لي .. والنعم بذيك الشيفة ، ثم ألتفت نحو أبي مداعبا .. هذا الولد يشبهك .. ولدك ذا ؟ ، تعجبت من سؤاله رغم أن أبي سبق واخبره من أكون ، ثم أردف أبي مداعبا .. لا هذا ولد الجيران ، فضحك الأثنين بينما أنا لا أفهم المعنى وكأني ( بغام فزفة ) ، وبعد برهة وجيزة بدأت الرعود ترسل نداء السماء ، فأخذت أصوات الرجال ترتفع في المكان وبدأ بعض الرجال ينسحبون تباعا من العزاء ، فمنهم من يخاف أن ينزل الوادي ويحاصر سياراتهم أو يأخذها معه وديعه بلا عودة ، والبعض قرر الرحيل لعدم صحو الأجواء ، وهكذا بدأ البرق ثم نزل المطر ،وتدافع الجميع يركضون كلا نحو بيته ، ونحن نسابق المطر تحنت أرجلنا بالطين حتى وصلنا إلى البيت ونحن بكامل حلتنا الجديدة ، ما أجمل المطر والرياح وهي تداعب زور النخيل وأوراق الشجر ، دخلنا البيت واغتسلنا ثم رجعنا نقف على عتبة باب الدهريز المقابل لشرجة ( مبواله ) في إنتظار نزولها ومشاهده الماء وهو يصب لأول مرة منها ، نتزاحم جميعا من في البيت كلا من عائلتنا وعائلة عمي على الوقوف على بابي الدهريز لمشاهد شرجة مبواله ، لقد كان المطر عارماً ، فسمعت أبي يتمتم بصوت خفيف .. رحمه الله عليه كان رجال طيب .. الله يبرد على قبرة بهذا المطر ، فهمت هنا أنه يقصد الرجل المتوفي ، وأن الله جاء بالمطر حتى تبرد الأرض من شدة حرارة الصيف في موسم القيض ، فتبرد على جسده المسجى في قبره ، أنتظرنا كثيرا لكن شرجة مبواله هذه المرة لم تنزل ، فقال أبي معللا .. السيل كله فبلاد ما شي على رؤوس الجبال ..

ولا كانت بتنزل شرجة مبواله ، بعد توقف المطر بقليل بدأت تتساقط من السماء الضفادع واحده تلو الأخرى فأصابنا ذلك بخوف شديد جدا ، لم نكن نعلم أن الضفادع تتساقط من السماء فقد أخبرونا في المدرسة إنها تلد ولها دورة حياة يبدأ من البويضات وأبو ذنيبه ثم يتحول على مراحل ليصبح ضفدع ، لكن علل أبي أن الضفادع تحملها الرياح مع المطر من مكان بعيد لتنقلها لمكان أخر ، لكن عمي أختلف مع أبي وقال إنها فعلا تتساقط من السماء ، وأن الله يرسلها لأقوام كتحذير ووعيد إذا ما كان هناك شيئا يغضب الله ، وإذا لم يتدارك القوم هذا الأمر أرسل سيل من الضفادع والجراد والقمل وحشر بتلك القرية ، هنا بدأ الخوف ترتجف له أوصالنا ، وبدأ البعض منا في البكاء ، فرد أبي على عمي بدعابا .. برد فؤادك تو يوم بكيتهم .. خلا عاد سكتهم وحدك ، هنا علمت أن أبي لم يرد أن يقول الحقيقة حتى لا نخاف ونبكي ، لكن لماذا أرسل الله تعالى هذه الضفادع في هذا اليوم ؟ وما هو الذنب الذي إقترفه أهل القرية حتى يرسل الله لهم غضبه ؟ ، وعندما بادرت بالسؤال عليهم أجاب عمي بحزن وهو ينطق الكلمات ، .. يمكن مسكين ما ميت موت عينه .. بيكون مسحور ، هنا أيضا يتضح أن الرجل الذي مات هو سبب في نزول الضفادع ، فقد غضب الله على من تسبب في وفاته ، لم نكن في ذلك العمر نستطيع أن نتلقى كل هذا الحزن والهم والخوف الذي لم يسبق لنا أن عشناه في مسقط ، حياة القرية رغم جمالها وبساطتها إلا أنها ترزح تحت وطأة الأساطير والخرافة والسحر الذي تصدقة وتكذبة رغم ما تحكيه أفواه أهل القرية من المعتقدات السائدة التي عاشت معهم منذ سنين طويلة أستولت على كل تفكيرهم وظنونهم .

لقد حان موسم الجداد وهو موسم جني الثمار من النخيل ، تجمع كل الأهل من الرجال والنساء والأطفال في الضاحية الحدرية ، وأخذ أبي ( الكر والبعض يسميه الصوع ) وهو ما يستند عليه الجداد ويعتمد عليه كذلك في طلوع النخلة والنزول منها ، بدأ أبي بلف الكر على خاصرته وربطة بعضه ببعض ثم جاء بحبل متين وطويل يسمى ( الميراد ) وهو ما يلف على الكر من الناحيتين ويكون موصول في بدايته بوعاء مصنوع من سعف النخيل يسمى ( حدره ) ، والحدره يجنى فيها ثمار النخيل وتسمى ( عذوق ) وتكون مملوءه بالرطب أو السح الهامد ( التمور ) ، وتعني الهامد هو الذي أستوى وأصبح جاهزا للتخزين حتى عام كامل ، صعد أبي إلى النخلة وتغدرها وبدأ في قص العذوق واحد تلو الأخر حتى أمتلاءة الحدره فرمى بها على جنبه الأيسر وكان يمسك بحبل الميراد بيده اليمنى ثم بدأت الحدره تنزل شيئا فشيء مع صوت حبل الميراد الذي كان له إيقاع جميل يعلن عن نزول الحدره بثقلها وحملها ، وهكذا كان أبي يكرر العملية فوق النخلة على الحدره والميراد حتى أنتهى وبدأ بالنزول ، وهنا بدأنا نحن ومن كان موجود بالرقاط والبعض منا حمل القفير على رأسه وصعد به نحو البيت ، القفير هو وعاء مصنوع من سعف النخيل أقل أتساع من الحدره يحمل عليه الجداد من السح والبسر والرطب وغيره من محتويات النخلة ، على ( الدعن ) في حوش بالبيت والدعن عبارة عن أغصان سعف النخيل تصنع للجلوس عليها أو لترويح التمور ،وحوش البيت يسمى ( مسطاح ) نقوم بفرش السح والبسر والرطب على الدعون التي سبق وجهزناها لهذا الغرض .
كنا في الصباح نقوم بعملية الجداد وهي جني الثمار من النخيل ، والعصر نقوم بعملية التنقاي وهي فرز وعزل السح عن البسر والرطب ، وهكذا أستمر الوضع قرابه أربعة عشرة يوما ، وبعدها بدأنا في عملية الكناز وهنا يتم غسل السح وتوضيعة في أوعية الحفظ لمدة عام كامل ، وأوعية حفظ التمور تسمى الخصف وتصنع كذلك من سعف النخيل ، يتم بها تجميع السح ( التمور ) وكنزه بقوة بواسطة الأرجل أو اليدين على حسب طول وعمق الخصف ، وهكذا تربعنا من موسم القيض والتربع تعني إنتهى موسم القيض ولم تعد هنا ثمار في النخيل ، قمنا بتجميع الخصف بمكان يسمى ( النضد أو مخزن التمور ) ، بعد مضي فترة طويلة على وضع الخصف فوق بعضها البعض تفرز التمور مادة تسمى ( الدبس ) وهو عسل النخيل ، يمر عسل النخيل في سواقي صغيرة تحت الخصف شبيهه بالأفلاج وفي نهايتها مصب داخل حفرة وضع فيها وعاء من فخار يسمى ( كوز ) ، وعندما يمتلى الكوز يأخذ ويفرغ في وعاء كبير يسمى ( خرس ) ، وبعد ذلك يتم تقسيمه على أفراد العائلة كلا يأخذ قسمته متى ما أراد .
إنتهى موسم القيض وحان موعد الرحيل من القرية الجميلة في البلد والعودة إلى مسقط ، فقد إنتهت إجازة أبي التي يقدمها كل سنة من أجل موسم القيض حتى يقوم بدوره وأخوته بالعناية بالثمار وجنيها ، وكذلك أجراس المدارس بدأت تطرق على الأبواب لتفتح ويبدأ التعليم مثل كل سنة ، وداعا قريتي الجميلة على أن نلقاك كل سنة مرة في موسم القيض .