ميلاد قائد وأفراح أمة

0
438

يأتي العيد الوطني الثامن والأربعين المجيد على بلادنا عمان ، وقد ارتسمت الأفراح على محيا كل عماني ومقيم على أرض الأمن والأمان ، ومنبع الحكمة والسلام ، فالعيد هو عيد لكل العمانيين صغيرهم وكبيرهم ، نسائهم ورجالهم ذلك أنهم جميعاُ رضعوا وشربوا من ينابيع النهضة المباركة التي تفجرت لتروي ظمأ السنين الشدائد العجاف .

فلا أمة فيها توحدت ، ولا قلوب تآلفت ولا عقول تجانست ، أسدل الجهل على الكل أستار ظلماته ، واستوطن في الناس المرض بعذاباته ، وساد الفقر بين عموم المجتمع بآلامه ومعاناته ، وسٌمع صوت البنادق والمدافع على حوافر الخيل بين طلاب السطة والنفوذ ، إذ ضاعت القناعة وانعدم الرضا ، وسيطرت العصبية البغيضة على العقول والنفوس ، وتحكمت إرادات زعماء القبائل ، والقوم من ورائهم منقادين تتقاذفهم أمواج الهلاك التي لا تُبقي ولا تذر ، بين لحظة وحين .

عاشت البلاد في عزلة تامة عن العالم ، وكأنها تعيش قصة من قصص حي بن يقظان ، وعاد التاريخ بعمان وأهلها إلى الوراء المجحف المظلم ، بعدما كانوا صنّاع الأمجاد والتاريخ أيام قادةٍ مظفّرين ، انقادت لهم نواصي الأمم ، وركبَت الأمواجَ مراكبُهم وسفائنُهم ، كأمثال الجلندى بن مسعود وعبد وجيفر وناصر بن مرشد وسيف بن سلطان ، وسعيد بن سلطان وأحمد بن سعيد ، الذين حملوا رايات المجد ومشاعل العلم والفقه والأدب وكافة العلوم الأخرى ، فجابَ العمانيون البحار ، فاشتُهروا بأنهم أسياد البحار ، فوصلوا إلى أماكن لم تطأْها قدم قبلهم ، وشقّت أشرعة سفنهم عباب البحار ، فرسَت موانيء لم تكن معروفة من قبل ، فنشروا السلم والقيم الدينية والأخلاقية والإنسانية ، وأقاموا حضارة يشهد لها شعوب الهند وبلاد فارس والصين وشرق أفريقيا وأوربا وأمريكا وغيرها من بلاد العالم الأخرى ، ونشروا الإسلام الغضّ النقيّ بحُسن معاملاتهم لا بحدّ سيوفهم ، فانتعشت التجارة ، وساد الرخاء وعمّ الأمن والأمان ، وخشي من قوتهم العدو ، واحترمهم الصديق ، واستعصمت بهم البصرة وسقطرى ، فأنصفوا المظلوم وقهروا الظالم ، ولكن كما قال رب العزة « وتلك الأيام نداولها بين الناس » .

ثمّ بعد ذلك انكفأت عمان على نفسها ، وتشتت أمرها وتمزقت لحمتها ، وشمت فيها عدوها ، وتكالب عليها من كان لها بالمرصاد ، حتى قيّض الله لها من رجالاتها من يعيد لها سيرتها الأولى ، فكان مولده في الثامن عشر من نوفمبر من عام ١٩٧٠م قبساُ أضاء سماء الكون بنوره ، وإعلاناً بالأمل والفرج بانكشاف الغمة ، من وطن يعشق شموخ جباله ؛ شمس والأخضر والقمر وسمحان ، فكان وهو شابٌ يافعٌ ، يطالع مآل الشعب والوطن ، يخاطبهم في نفسه ويقول : لا تيأسوا من رحمة الله ، والفرج آت عما قريب ، فكأني بصوت خفي يأتي من عيون تعلقت بأهداب الأمل وقلوب تاقت لاستعادة أمجاد الائمة والسلاطين العظام ، إننا لك ولعزمك لمنتظرون ، ولتنتشلنا من التخلف ووعثاء السنين لمترقبون .

وماهي إلا لحظة أو لمحة عين ، حتى امتطى الفارس صهوة جواد الوعد والعهد ، فلقد انتهى عهد الأحلام ، وبدأ عهد تحقيقها ، فقام بنهضته المباركة ونادى شعبه قد أتيتكم بعزيمة تكسر الصخر ، سأبني دولة عصرية يضرب بها المثل ، وسأجعلكم تعيشون عيشة السعداء ، أنا قابوس بن سعيد آل سعيد ، فهلموا إليّ نبني معاً الوطن ونعمّره ، ونشيد ما اندثر ونوصل ما انقطع ، فماذا أنتم يابني وطني قائلون وفاعلون ؟
إنك ياسيدي ، ناديتَ أمةً لا تعرف الخذلان ، ولا نكران الجميل ، كانت تنتظر هذا النداء ، وتتلهف لقيادتكم وحكمتكم ، فها هي قد سارعَت بتلبية النداء ، فلئن كان نداؤكم يحمل ثقة وعزماً عجباً ، فإنهم لبّوا نداءكم طوعاً وطرباً ، أسمعوا جنبات الكون صيحات تلبيتهم : إننا يامولانا لنداء جلالتكم ملبّون طائعون ، وبقيادتكم متمسكون ، وعلى خطى مقامكم سائرون ، وإنا معكم لتحقيق ما تصبون إليه بعون الله لواصلون.

عندئذٍ تشابكت الأيادي للعمل في الشمال والجنوب ، وتعاضدت العزائم لقهر المستحيل ، وتنادت الأصوات للبناء والتعمير،، رجال ونساء تجدهم في كل موقع يبنون ويؤسسون لنهضة وثابة مباركة ، وقامت صروح العدل والمساواة ، ومن خلالها انحسر الظلم والجور ، وترسخ مبدأ التآخي بين العمانين ، فاختفى التمايز القبلي والطائفي والمناطقي بينهم ، وقويت اللحمة ، وعمّ الأمن والأمان في ربوع البلاد ، وخرجت عمان إلى العالم برسالة المحبة والسلام والعيش في وئام ، لا أحقاد ولا خصام ، فتلقفت شعوب العالم هذه الرسالة ، وتمسكوا بها كما يتمسك ركاب السفن بصواريها خوفاُ من الغرق .

لسنا في مقام المدح والمديح ، رغم أن هذا مقامه ، وأنتم عنوانه ؛ ولكن جحود الحقيقة ونكرانها لا تكون إلا ممن انعدم بصره وبصيرته ، وإمتلأ قلبه بالحقد ونكران الجميل ، ولا تكون إلا من متربص خائن ، وأكاد أجزم بثقة أنْ ليس بيننا كعمانيين من يحمل هذه الصفات الذميمة ، فكلنا والحمد لله ذوو بصر وبصيرة ، ورثنا الوفاء والانتماء والولاء أباُ عن جد ، لا نحيد عن الحق وليس بيننا من يخطئ رؤية الشمس في رابعة النهار .

عمان اليوم ليست كعمان الأمس ، عمان اليوم جنة الله في الدنيا ، وارفة ظلالها ، نقية أرضها وسماؤها ، قابوس عمّرها وبناها ، ووحّد شعبها وأعلى شأنها وسنامها ، وأعاد مجدها وعزها وأمنها وأمانها ، فاختالت تزهو بما وهبها الله وحباها ، فأصبحت بحق قبلة لمن يقصدها أو يغشاها ، وكل هذا لم يكن ليتحقق لولا مهندس النهضة وقائدها الذي مافتيء يخطط ويوجه ويقود الأمة بعزم أكيد وإصرار شديد ، ليسعد العمانيون ، فأنجز العهد ، وأوفى بالوعد ، فهنيئاً ثم هنيئاً ثم هنيئاً غدقاً بهذا العهد الذهبي .

وفي عيد ميلاد صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم – حفظه الله – ترفرف رايات الفرح عالية خفاقة ابتهاجاً بهذه المناسبة العظيمة ، وكل الأعناق مشرئبة ، والقلوب قبل العيون توّاقة إلى رؤية الطلعة البهية لمقامه السامي يوم الثامن عشر من نوفمبر ، فقد عشقته القلوب والعيون وكل الجوارح ، فإطلالة جلالته في أي حينٍ ، وكل وقت تريح النفوس وتشحذ الهمم وتوقد العزائم وتثلج الصدور، فعيد ميلاد حلالته هو لجميع أهل عمان شمالها وجنوبها شرقها وغربها .

نسأل الله تعالي أن يٌنعم على جلالته بصحة تامّة وعافية دائمة ، وأن يُسبغ عليه من وافر رحمته ،وان يؤيده بنصر من عنده ، وأن يُطيل في عمره أعواماً عديدة وأزمنة مديدة ليبقى قائداً وزعيماً ورمزاً لعمان وشعبها ، ونسأله تعالى أن يحفظ عمان وشعبها الأبيّ ويديم على هذا البلد نعمة الأمن والأمان والرخاء والازدهار ، إنه سميع قريب مجيب الدعاء .
وكل عام والجميع بخير

الدكتور / سالم بن سلمان الشكيلي