“لا ترمي فلحة في وادي ” المطر القوة الناعمة للخطر

0
202

لقد كثرت الكوارث الناجمة عن ارتفاع مناسيب المياه نتيجة هطول الامطار الغزيرة في بعض الأحايين على الكثير من مناطق السلطنة، والظاهر للعيان ان هذه المشاكل لم يكن لها تأثير في الماضي البعيد كون أن السكان لا يتعدون على مجاري الأودية ويعرفون حدودها ويحرمون مناطق سكناهم عنها، وقد قادتهم الفطرة السليمة الى أن الذي يضع ساس بيته في مجرى السيول لا يلومن إلا نفسه، كما كانت جغرافيا الأرض البكر غير التي نعرفها الآن، فقد شوهت معالم الإنفجار السكاني أمكنة الطبيعة التي تحمل المقومات الأساسية في تشكيلها في صنع ممر آمن ومجرى طبيعي لمسيل الماء، كما ان تلك التضاريس تفاعلت مع عوامل التعرية في صنع القنوات المائية الطبيعية المفضية الى أمكنة تصريف هي أيضا طبيعية دون عوائق او تدخل بشري .

أن الماء في العصور الجيولجية القديمة قد شق طرقه ورسم خرائطه وحدوده وارتفاع مناسيبه عبر حقب زمنية متافوتة في الكميات، والناظر الى مسارات المياه بطبيعتها البكر يستنتج استنتاجا فاحصا ان المياه في مناسيبها الغابرة قد وصلت الى ارتفاعات قد تنقطع الى الإرتفاع اليه لفترات شديدة الجفاف، ولكن في عمر جيولوجي أو دورة فلكية ما، ما تلبث أن تعود السيول الى دورتها الطبيعية، ولعل الكثيرين ممن تجاوزوا وضع أسس بيوتهم على ضفاف الأودية في الوقت الراهن لم يأخذوا في حسبانهم تلك الدورة الفلكية الدوارة في العمر الجيولوجي، فغالبا ما يسجل كبار السن والمؤرخين وقوع كوارث متعاقبة على الكثير من الامكنة التي جرفتها السيول هي وساكنيها. وذلك لعدم توفر أجهزة الرصد والمتابعة وقياس الكميات التي يمكن أن تسببها تلك الامطار ليسهل الاخذ في التحذير المبكر والعمل على وسائل الإحتياطات اللازمة التي يمكنها ان تقلل من حجم تلك الكوارث.

ويحكى في قديم الزمان ان رجلا اشترى مالا ” ضاحية نخل ” وبعد فترة زمنية بعيدة، وبينما هو يحفر في الأرض بغية فسل نخلة جديدة عوضا عن نخلة سقطت نتيجة الهرم، فوجد أثناء الحفر أن الحصى الذي يستخرجه من تلك الحفر حصى مكونات الوادي، فما لبث أن أحبك قصة طريفة يكون فيها هو الضحية من جراء تعسف معاملة ولده له وعدم احترامه، وقد مهدا الأب والأبن لحبكة هذه الحكاية، فقد تشاجر وتنازع الأب والأبن كخصيمين في حضرة مجلس القوم، وشكى الأب ما يعانيه من ولده وحلف أنه سيترك ماله ويرحل عن البلدة؛ لأن بلدة لا تستطيع ان تدافع عن رجل ضعيف من تعدي ابنه عليه ليس جدير أن يسكن فيها، وقرر في ذلك المجلس أن يبيع تلك الضاحية، فخلص الرجل من الكارثة وباع ماله وخرج ليسكن مكانا آخر . وذلك كله رغبة منه في الدفع عما ستحل من كارثة، ولو يوما ما ارتفع منسوب الماء عن القدر المتوقع فيذهب ما عمله أدراج السيول، وهذا ما حدث بالفعل. فان اغلب الكوارث الناتجة من فيضانات المدن الحديثة هي عدم وجود قنوات تصريف تضمن تدفق المياه وعدم احتجازها في امكنة تتسبب في مضاعفة الكثير مما هو كائن. ولعل حادثة مستشفى النهضة ليست ببعيدة ، حيث أعقبت تلك الإصلاحات في الطرق خللا كارثيا في عدم إعطاء المجال لتدفق وانسياب المياه الى الامكنة التي يجب أن تأخذ فيه مسارها .

لعل القادم في مثل هذه الكوارث سيكون اكثر تأثيرا وخاصة في المدن التي يعلن عنها في الإنشاء بين الحين والآخر، إذا لم يتدارك الأمر في تنظيم وتخطيط سليم يضمن عدم تسبب مياه الامطار في إلحاق أضرار فادحة في الممتلكات والأرواح ناهيك عن الاضرار التي يمكن ان تلحقها بالبنية التحتية والشوارع وغيرها من المنشآت والمرافق العامة التي غالبا ما يكن إنشاؤها مكلفا جدا.

لقد عاصرت عمان الكثير من التجارب والمحن الناتجة عن زيارة الأعاصير وخاصة في الآونة الأخيرة، وسط التغير المناخي وحدوث ظاهرة النينو على مستوى العالم، والتي لم تكن السلطنة بمعزل عن مثل هذه النوازل، فقد عرف الأقدمون مثلها وخير مثال ما حدث في سيل “العرم” في قصة أهل سبأ التي ذكرت قصته في “القرآن الكريم” حيث أتت السيول على الكثير مما هو قائم في تلك الأرض من شجر وبهائم واناس ومساكن فدمرت مساحات شاسعة من الأرض التي كانت ذات لحظة واحة غناء يطرب  فيها الطير ويتغنى فلاحوها بمواسم جني الثمار، وبعدها غدت قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا امتا، فقد اكتسحت السيول كل شيئ في طريقها وهدمت كل قائم، مما اضطر اهلها الرحيل عنها واختيار امكنة اخرى لسكناهم بعيدة ومرتفعة عما كان من ذي قبل .

والآن ونحن نعيش قمة التقدم التكنلوجي والفضائي وعلوم الارصاد وقياس التغيرات المناخية التي يمكن أن تعطي مؤشرات قبلية أولية لما يمكن ان تقوم من حالات، فيجب استخدام هذه التطبيقات الحديثة بشكل امثل وفعال، فهي كفيلة في جعل حالنا أفضل مما كان في العهود السالفة، وأن وضع خطط مستقبلية في كيفية إقامة المباني والمنشآت المقاومة للتيارات المائية كفيلة بالتخفيف مما يمكن ان يقع، في أمكنة لا تنالها قوة الماء .

ولعل الحكومات ليست بمعزل من ذلك والجهات المتمثلة لها والمعنية بامر تخطيط المدن ان ينظر كل في مجال اختصاصه الى ما يمكن ان يحد من حجم هذه الكوارث، وقد عرف عن العمانيين مثلا من امثالهم التي لا يخطئها العقل والمنطق حيث يقول المثل ” لا ترمي نواة في الوادي  وذلك إدراكا منهم بحجم ما ستؤل إليه الكارثة لو ان تلك النخلة لو نبتت لتسببت في عدم تدفق الماء وانسيابه بصورته المثلى، أما الآن فأننا نجد المخلفات الناتجة من هدم الأبنية ترمى في ممرات الاودية بعيدا عن أعين رقباء المعنيين والمنوط بهم تنظيم عمليات رمي المخلفات في المرادم والامكنة المخصصة لها ، كما نجد في المناطق وولايات السلطنة الأخرى تعدٍ سافر في رمي مخلفات الاثاث وغيرها من المخلفات التي يراد التخلص منها.

إن مثل هذه الممارسات غير المسؤولة يجب أن توضع على المحك وأن تنبري لها الحكومة في معاقبة كل من تسول له نفسه التعدي على مسارات الاودية ومصادر المياه، كما أن على المنظمات الدولية والجمعيات المحلية والمؤسسات المعنية بالأنشطة البيئية والصحية أن تكثف من حملاتها التوعوية في هذه المجالات لجعل بيئة الاودية وأمكنة المياه وضفاف الافلاج بيئة نظيفة من كل المؤثرات التي يمكن ان تتسبب في إعاقة الحياة الفطرية عن النمو بالصورة الصحيحة والملائمة.

المستقبل يحمل الكثير من الخير والعطاء، ولا بد من تظافر الجهود وعلى كافة المستويات بداية من البيت والمدرسة والأفراد والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، المساهمة في رفع مستوى الأهمية والأخذ بإبراز الثقافة المائية ومتعلقاتها في الدفع على صون البيئة وجعل التخطيط السليم في أول سلمة من سلمات درء الكثير من المخاطر الناتجة عما تهمره السماء من عطاء، وكيفية إستغلاله استغلالا أمثل في التوجه نحو عدم التسبب في الكثير مما يعيق تدفقه وانسيابه.

بدر بن محفوظ القاسمي