ملاذ الأقنعة

0
133

قصة بقلم / يعقوب بن راشد بن سالم السعدي

اطلت برأسها على شفى جرف هارٍ ، تنشقت الهواء وشعرها المبلول ينساب إلى جيدها ، لفحة هواء حارق تداعب وجنتيها ، فتذكرت الليلة الساخنة التي سقطت فيها أقنعة العاشق وتهاوت عند أول خلاف بينهما ، لقد رسم العاشق على وجنتيها خريطة العالم أبان الحرب العالمية الأولى

فخارت قواها وسقطت على طاولة الزجاج ، تطايرت شظاياه وغارت في عينها اليسرى وفقأتها ، مسكينة إيلاف فقدت عينها في معركة العاشق الذي قتلته الغيرة ، كان بالنسبة لها الملاك الذي انتظرته سنين طويلة ، أو الفارس الذي كانت تحلم به في يقظتها ، تجرعت رمقها وهي تشاهد الغنجة تبحر من المرسى فقبضت على أطراف نافذتها بكلتا يديها وكادت تعتصر الخشب ، رؤية الغنجة وهي تغادر المرسى ذكرتها يوم ملاذ الأقنعة الصامتة في وجه العاشق المنكسر ، ذكرتها بإدعاءات الحب الكاذب ، تساءلت هل الغيرة حب !!؟

أم هي هاوية المرأة إلى العذاب ، كانا عاشقين متيمين في بداية الأمر حتى اصبحَا عدوين لدودين كُلً منهما يتمنى الموت للأخر ، يالي غرابة المشهد ، كيف للعشق أن يتحول إلى إنتقام ، تركت النافذة وتوجهت إلى المنضدة قرب سريرها الحديدي القديم المزخرف ، مدت يدها فوق المنضدة وأخذت عصابة العين المفقأه وربطتها على جبينها فغطت بها عينها وأصبحت شبيهة بقبطان أحد سفن القراصنة

خرجت من غرفتها إلى الشرفة وجلست على الكرسي أمام الطاولة الذهبية وتنهدت وهي تمسك بفنجان القهوة الفارغ ونظرت داخله وكأنها تقرأ خطوط مسير حياتها القادمة ، تميل برأسها على مؤخرة رأس الكرسي وتنظر إلى الأفق الملبد سماؤه بكومة من السحب البيضاء الممزوجة بغيمة سوداء متناثرة هنا وهناك ، رفعت الفنجان مرة أخرى أعلى من رأسها المائل إلى الخلف ونظرت داخله وكأنها عرابة حقيقة تخاف أن تقع مرة أخرى في حب يُفقدها عينها الأخرى التي تحمل لها في الحياة الباقية بصيص ضوء وعتمة الماضي الأليم ، تنهدت وهي تنظر في عمق قعر الفنجان الذي تيبست قهوة الأمس في جنباته وقعرة الداكن من سوادها ، يخاطبها وجدانها المحطم كسفينة خشبية تناثرت قطعها على ساحلً جبلي انتحرت عليه آخر اشرعتها القطنية ، تنهدت مرة أخرى وهي تلقي بالفنجان من الشرفة إلى الجرف أسفل الغرفة ، وقفت على الشرفة وهي تراقب فنجان القهوة وهو يرتطم هنا وهناك حتى تكسر على صخرة صلبة تناثرت شظاياه في أرجاء المكان

تنفست الصعداء ثم رفعت رأسها وابتسمت وكأنه هماً جاثماً انزاح من على صدرها ، توجهت نحو الاستريو ورمت في بطنة قرص السيدي ، فغنت وردة .. بحبك بحبك ما تحبنيش .. بحبك بحبك وسيبني أعيش ، أخذت تغني مع وردة وهي تلمس بأطراف أصابع يدها اليسرى كل ما تمر به من أثاث وكماليات وكأنها تتحسسه لأول مرة

في هذه الحظة يتصارع داخلها الحب والكراهية ، العشق والإنتقام ، عند طاولة الطعام أمسكت بالسكين ورفعتها حتى ساوت مستوى نظرها وأخذت تقلبها أمام عينها وهي تبتسم تارة وتعبس تارةً أخرى ، هنا اتحد الخير والشر لغاية في قلب إيلاف ، توجهت نحو السرير واحتضنت هاتفها بيدها ودغدغت أرقامه ثم جلست على السرير وابتسمت إبتسامة خجلا ، الو .. حبيبي حسن إني انتظرك على العشاء .. نعم لقد سامحتك من كل قلبي ..

الحياة من دونك ديوان من دون شعر ، اقفلت الهاتف ورمت به على السرير وأخذت السكين وقذفتها بقوة نحو باب الغرفة وسكنت هناك ، في صباح اليوم الثاني تجمع الكثير من الرجال والنساء وعدد من رجال الشرطة أسفل الجرف ، كان حسن ملقى على بطنه والسكين مغروسة بظهره ، نظر الضابط إلى الغرفة أعلى الجرف فشاهد فتاة معصوبة العينين ، دقائق معدودة وباب غرفة إيلاف يُقرع ، فتحت الباب وإذا بالضابط يقف أمامها ، فسألت وهي تمد يدها اليمنى من بالباب ؟ ، قال والحزن يملأ عينيه .. أنا الضابط ، فسألت مرة أخرى .. ضابط الإيقاع ؟ ، ضحك الضابط وقال .. ضابط شرطة .. هل كنتي تنتظرين ضابط إيقاع ؟ .. قالت نعم .. حتى يجعلني أرقص على جثة حسن .. قتلته مرة وقتلني مرتين حين أخذ مني نور عيناي .. سيدي الضابط ملاذ الأقنعة سقط أخيرا في جرفة السحيق ، وضع الضابط القيد في معصم إيلاف في حين كانت أم كلثوم تغني .. ويلي من قيدك أدما معصمي .. ، هنا أغلق الضابط باب الغرفة على السيدة واقتاد إيلاف.