دَالِيًّا

0
242

لَيْلَةٍ مُمْطِرَةٍ مَصْحُوبَةٍ بِرِيَاحٍ خَفِيفَةٍ تَحِرْكِ كُلُّ شَيْءٍ غَيْرِ سَاكِنٍ فِي الشَّارِعِ المُؤَدِّي إِلَى الحَانَةِ , عَلَى طَاوِلَةِ الحَانَةِ بِالقُرْبِ مِنِّ السَّاقِي كُنْتُ أَحْتَسِي قَدْحًا مِنْ خَمْرِ الفُوتْكَا , كُنْتَ مُنْتَشِي ثَمَلٌ , أَخْرِجَتُ حَبَّةُ زجارة وَعُودُ ثِقَابٍ وَيَدَاي جَرَّاءَ أَمْسَاكَ بِقَدْحِ الفُوتْكَا أَصْبَحْتَ بَارِدَةٌ ، أَشْعَلْتُ عُودَ الثِّقَابِ وَدَنَوْتُ مِنْهُ بِرَأْسِي حَتَّى قَبْلَ ثُغَرِ الزجارة وَأُلْهِبُ مَشَاعِرَهَا لِتَتَرَاقَصَ فِي جَوْفِي الغَارِقُ فِي مَلَذَّاتِ الشُّرْبِ وَالثُّمَالَةِ .

المُوسِيقَى الصَّاخِبَةُ تُرْسِلُ لِي إماءات تَدْعُونِي إِلَى الرَّقْصِ مَعَ إِيقَاعِهَا الغَرْبِيُّ , بَدَأَ جَسَدِي يَسْتَجِيبُ لَهَا , تَمَايَلْتَ مَعَهَا لِدَقَائِقَ وَأَنَا أُوَزِّعُ نَظَرِي فِي كُلِّ اِتِّجَاهَاتِ الحَانَةِ , وَمَا إِنَّ فَتَحَ بَابَ الحَانَةِ الخَارِجِيَّ وَرَّمْتَ أَحَدَّاهُنَّ بِجَسَدِهِ المَمْلُوءِ إِلَى الدَاخِلِ حَتَّى تشرنقت عَيْنَاي فِي تَفَاصِيلِهَا الجَمِيلَةَ , اِقْتَرَبَتْ مِنْ السَّاقِي وَجَلَسَتْ عَلَى الطَّاوِلَةِ ثُمَّ أَشَارَتْ لِلسَّاقِي بِأَصَبَعَهَا السَّبَّابَةُ وَبِإِيحَاءٍ جِنْسِيٍّ وَاضِحٍ مِنْ خِلَالِ رَصِّ شَفَتِهَا السُّفْلَى بِأَسْنَانِهَا العُلْيَا , آهْ عَلَى سَاقَيْهَا العَارِيَتَانِ حَتَّى فَخْذَيْهَا , آهْ مِنْ شَعْرِهَا الأَشْقَرُ المُتَدَلِّي بِخُصُلَاتِهِ عَلَى منحريها , لَا أَدْرِي هَلْ هِيَ أَوَّلُ اِمْرَأَةٍ أَرَهَا فِي آلِكُون اليَوْمَ , أَمْ تَرَانِي مُنْتَشِي أَكْثَرَ مِنْ اللُّزُومِ .

فَقُلْتُ وَأَنَا أُشِيرُ بِيَدَي عَلَى السَّاقِي , مَشْرُوبُهَا عَلَى حِسَابِي , اِلْتَفَتَتْ نَحْوِي وَهِيَ مُبْتَسِمَةٌ ثُمَّ مَدَّتْ يَدَهَا وَقَالَتْ دَالِيَا , فَبَادَلَتْهَا الاِبْتِسَامَةُ وَمَدَّدَتْ إِلَيْهَا يَدِي وَقَلَتْ جُوزِيفْ , فَضَحِكَتْ وَقَالَتْ مَا يَرْكَبُ اِسْمَكَ مَعَ لَوْنِكَ .. أَنْتَ بُرُونْزي .. كِيف سِرْتُ جُوزِيفْ ؟ .. أَنْتَ لُبْنَانِيٌّ ؟ , لَحَظْتُهَا خَشْيَتَ أَنْ تَكْتَشِفَ أَنَّ اِسْمِي الحَقِيقِيَّ خَلْفَانِ , فَقُلْتُ لَهَا .. لَا أَنَا مَا لُبْنَانِيٌّ .. بَسّ أُمِّيٌّ وَهِيَ حَامِلٌ متوحمه عَلَى جَارَنَا جُوزِيفْ كَانَ لُبْنَانِيٌّ .. فأسمتني بَاسِمَه , فَضَحِكْتُ كَثِيرًا وَهِيَ تَحْتَسِي الفُوتْكَا بَيْنَ كُلِّ ضِحْكَةٍ وَأُخْرَى ، وَهَكَذَا قَضَيْنَا فِي الحَانَةِ وَقْتٌ جَمِيلٌ بَيْنَ الشُّرْبِ وَالدُّعَابَةِ وَنَحْنُ نَتَسَامَرُ مَعَ بَعْضِنَا البَعْضُ وَكَأَنَّهُ لَا ثَالِثٌ بَيْنَنَّا .

بَدَأَتْ دَالِيَا تَتَمَايَلُ مَعَ إِيقَاعِ المُوسِيقَى ، ثُمَّ طَلَبَتْ مِنِّي الرَّقْصَ ، فَذَكَّرْتُهَا إِنَّهَا حَانَةٌ وَلِيست دِيسْكُو , قَالَتْ لَا يُهِمُّ فَقَطْ خُذْنِي فِي حظنك وَحَلِّقْ بِي بَعِيدًا مِنْ هُنَا , وَجَعَلَ مِنْ يَدِكَ جَنَاحَيْنِ وَجَعْلٍ مِنْ جَسَدِكَ سَرِيرِيٌّ , اُشْعُرْنِي بالدفئ أَكْثَرُ , فَأَنَا أَحْتَاجُ إِلَيْكَ , هُنَا عَلِمَتْ أَنَّ دَالِيَا قَدْ أَنْتَشَتْ وَأَصْبَحَتْ فِي عَالَمِ المُتْعَةِ وَاللَّذَّةِ الغَائِبَةُ , فَحَمَلَتْهَا عَلَى ذِرَاعِي وَتَوَجَّهَتْ بِهَا إِلَى الخَارِجِ نَحْوَ سَيَّارَتِي الفورد موستنج مُودِيلَ 76 , وَهُنَاكَ مَارَسَنَا عَالَمُ الأَحْلَامِ حَتَّى الصَّبَاحِ حِينَ أَشَرَّقَتْ الشَّمْسُ وَكَشَفَتْ عَنْ جَسَدَيْنَا ، اِسْتَيْقَظْتُ مِنْ النَّوْمِ قَبْلَ فَاتِنَتِي دَالِيَا , أَدَرْتُ مِفْتَاحَ الموستنج فَأُصْدِرُ خَرِيرَهُ المُعْتَادَ لِيُوقِظَ دَالِيَا .
نَهَضْتُ مُثَقِّلَةً وَبَدَأَتْ تَرْتَدِي مَلَابِسُهَا ثُمَّ قَفَزَتْ إِلَى المَقْعَدِ الأَمَامِيُّ , رَمَتْ بِرَأْسِهَا عَلَى صَدْرِي فَسَّرَتْ فِي جَسَدَيْ رَعْشَةٍ أَفْقَدَتْنِي حَتَّى رُؤْيَةِ الطَّرِيقِ أَمَامَي , وَقَالَتْ بِصَوْتِ الصَّبَاحِ الهَادِيَ .. مَا أَحْلَى لَيْلَةَ أَمْسٍ مَعَاكَ ياجوزيف , فَضَحِكْتُ حَتَّى بَلَّلَتْ دُمُوعِي رَأْسَهَا , أَوْقَفَتْ الموستنج جَانِبًا عَلَى الطَّرِيقِ وَاِسْتَمْرَرْتُ فِي الضَّحِكِ , حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ السَّيَّارَةِ وَوَقَفَتْ أَمَامَهَا متكأ عَلَى البُونِيَتِ , لَحِقَتْنِي دَالِيَا الشَّقْرَاءُ وَهِيَ تَتَمَايَلُ بِجَسَدِهَا المَمْشُوقِ عَالِي القَوَامِ وَخَطَآ كَعُبَّيْهَا العَالِيَةُ تَصْنَعُ إِيقَاعًا جَمِيلًا جَعَلَنِي أَتَوَقَّفُ لِبُرْهَةٍ عَنْ الضَّحِكِ وَأُتَابِعُهَا حَتَّى دَنَتْ مِنِّي وَقَالَتْ ..

شَوَّهَ يَضْحَكُ الحُلْوُ , قُلْتُ لَهَا وَأَنَا أَسْتَعِيدُ ذَاكِرَةً الثَّمِالَةُ .. أَنَا لَسْتُ جُوزِيفْ .. أَنَا خَلَفَانِ , فَضَحِكَتْ وَقَالَتْ .. لَكَانَ شَوَّهَ يُدَلِّعُوكَ جُوزِيفْ ؟ , قُلْتُ لَهَا لَا يُدَلِّعُونِي .. خَلْفَانِ التَّنَكُّرُ .
مِسْكِينَةٌ دَالِيَا خَيَّبَتْ أَمَلَهَا فِي الحُصُولِ عَلَى حَبِيبٍ كَمَا كَانَتْ تَضِنُّ , أَطَرَقَتْ رَأْسَهَا وَقَالَتْ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ .. هَلَا شَوَّهَ بَلِكَ خَلْفَانِ حَافٌّ وَلَا خَلْفَانِ التَّنَكُّرُ , إيقنت وَقْتُهَا إِنَّهَا لَيْسَتْ لَيْلَةً وَتَمْضِي كَمُثُلٍ الأَمْسُ إ ، إِنَّمَا هِيَ عَلَاقَةٌ سَوْفَ تَدُومُ بَيْنَ خَلْفَان وَدَالِيًّا ، دَنَوْتَ مِنْ دَالِيَا لِأُقَبِّلَهَا فَإِذَا عَصَا القصم تَدْنُوا مِنْ زَنْدِ يَدَي اليُسْرَى, وَإِذَا بِي اِسْتَيْقِظْ مِنْ حُلْمِي الجَمِيلُ عَلَى صَوْتِ أَبِي وَهُوَ وَاقِفٌ بِقُرْبِيَّ يُصَرِّخُ قَائِلًا ..

قُوم يَالثَّوْرِ مِنْ رُقَادِكَ .. وَرْدُ الغيز عن جَلَبَةِ النِّغَالِ فَاضَتْ , نَهَضَتْ مُسْرِعًا وَأَنَا أُحْدِثُ نَفْسِي قَائِلًا .. لَيْتَ الغيز ضَلَّ يَرْوِي جَلَبَةَ النِّغَالِ

#قصة_قصيرة

يعقوب بن راشد بن سالم السعدي