النادي الثقافي يحتفى بتجربة الكاتب سيف الرحبي في ندوة ادبية

0
84
كتب / عيسى بن عبدالله القصابي

 نظم النادي الثقافي  بمقرة في القرم صباح اليوم الثلاثاء، ندوة أدبية بعنوان (الاحتفاء بتجربة الكاتب سيف الرحبي ) والتي  تأتي ضمن جهود النادي الثقافي في ترسيخ الاهتمام بالأدباء العمانيين والاحتفاء بهم من خلال إبراز مسيرتهم الأدبية.


شارك  في هذه الندوة نخبة من الباحثين المتخصصين حيث نقبوا عن  التجربة الأدبية للأديب الكبير، وذلك من خلال مناقشة محورين رئيسيين، حيث تناول المحور الأول التجربة الشعرية، أما المحور الثاني فتناول التجربة النثرية.

 بدأت الندوة بشهادة  قدمها الأستاذ المكرم أحمد الفلاحي، ذكر في بداية شهادته ماقاله الشاعر الكبير نزار قباني في حق الشاعر سيف الرحبي مقرا له بقوة الإبداع ومشيدا بأدبه وقدراته الرفيعة. حيث قال “كانت رحلتي العمانية كشفا لكبرياء الصخر وعنفوان البحر وتجليات الشعر إنها المرة الأولى التي أقابلك فيها فاكتشف كيف يتقابل الأصل والصورة في الشاعر الحقيقي وكيف يكون الكلام جميلا حين يسقط عنه أقنعة التشخيص والتلفيق والتثاقف الكاذب”  

وواصل المكرم احمد الفلاحي شهادته بالقول ان “نورسة الجنون” كان بداية كتب شاعرنا وقد صدر في دمشق سنة 1980 تلاه “الجبل الأخضر” بعد فترة غير طويلة ولكن الشاعر يذكر أن “الجبل الأخضر” هو الأسبق كتابة من “نورسة الجنون” الذي نشر أولا . وبعد هذين الكتابين توالت العناوين متواصلة لم تتوقف عنوان يلحقه عنوان لم يكد يمضي عام إلا ويطل ءآخر جديد “أجراس القطيعة” “رأس المسافر” “مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور” “رجل من الربع الخالي” “يد في ءآخر العالم” “جبال” “الصيد في الظلام” ” الجندي الذي رأى الطائر في نومه” “مقبرة السلالة” “قوس قزح الصحراء” “قطارات بولاق الدكرور” “ذاكرة الشتات” “أرق الصحراء” “حوار الأمكنة والوجوه” “منازل الخطوة الأولى” “حياة على عجل” “شجرة الفرصاد” “صالة استقبال الضواري” “رسائل في الشوق والفراغ” وربما كتب أخرى نسيتها وغابت عني.. عناوين ملفتة موحية تتابعت على مدى ست وثلاثين سنة متضمنة الكثير من الإبداع الراقي المتميز لغة وجملة وصورة وهي عناوين تتنافس موضوعاتها ولغتها على اجتذاب قارئها والسيطرة عليه فلا يجد انفكاكاً من سحرها إن فتح أحدها امسكته الصفحات بقوة ولم تطلقه حتى يفرغ منها وذلك هو سر الكتابة البليغة الذي لا يستطيع بلوغه إلا النبغاء الأفذاذ من الناس موهبة فوارة تنطلق منسكبة تبعث الدهشة في من يقترب منها فياضة غزيرة الدفق والانصباب لا يدفعها دافع كأنها الوادي في غزارة جريانه يتحدر لإرواء الأرض وإخصابها وإظهار نباتاتها.

وسيف الرحبي يصنف ضمن كتاب الحداثة ومنظريها ولكنه في الوقت نفسه غير منقطع أبدا عن التراث العربي وما فيه من شعر ونثر ومواريث متعددة يراها قارءه واضحة بينة في نصوصه يستشهد بأمثالها وحكمها وأبيات قصائدها إن كان المتنبي أو المعري أو البحتري  أو الشعراء المتقدمين عليهم أو الاءتين بعدهم كما يحتفي بالجواهري والشابي وناجي ونظرائهم من رموز عصره ومن عمان أبو مسلم وعبدالله الخليلي وخلفان بن جميل وسواهم هو في الحداثة ومعها ولكن دون انسلاخ عن التراث أو صد وانحراف عنه.

وهذا الشاعر والكاتب العماني الكبير هو أيضا احد رموز ما يطلق عليه الآءن قصيدة النثر في الأدب العربي التي ذاعت وشاع أمرها ولقيت رواجا خلال السبعين سنة الأخيرة ومن خلاله وبعض رفاقه كان دخولها إلى عمان وهي لون من ألوان الكتابة الحديثة منها الرفيع الجيد المستوى ومنها ما هو دون ذلك حالها حال القصيدة العمودية غير أن هذه عمودها الأساسي الذي ترتكز عليه هو الصورة المحكمة واللغة الرصينة والجملة المنسجمة ولفظة  كاتبنا وجملته قوية البناء والإتساق وتصويره راق كامل البهاء والدقة بحيث تتمكن صياغته من القاريء وتجتذبه بتلقائيتها وعذوبتها وحسن سبكها ودلالاتها. وقد كانت بدايات شاعرنا في مقتبل شبابه في القصيدة الكلاسيكية القديمة القائمة على الإيقاع والقافية وفق الطريقة التقليدية السائدة لدى أساتذته وفي محيطه وبيئته يومها ثم تحول بعد خروجه من عمان واطلاعه على الآداب الحديثة الى الكتابة النثرية متأثرا بأعلامها البارزين في مصر ولبنان وسوريا من أمثال الماغوط وأنسي الحاج ويوسف الخال وأدونيس وأصبح من مشاهير كتابها المعدودين ومشت على خطاه فيما بعد أجيال تلته قلدته وانتهجت سبيله واقتفت مسلكه متبعة مدرسته وان بنوع ربما اختلف كثيرا أو قليلا حسب القدرات والإمكانات لهذه الفتاة أو ذاك الشاب.

وحين قررت وزارة الإعلام إنشاء مجلة “نزوى” عام 1995 اختارته ليكون رئيس تحريرها فأصابت وأحسنت وبزغت المجلة على يديه عملاقة منذ ولادتها ترتقي وتتطور عددا بعد عدد حتى وصلت إلى المستوى العالي الذي بلغته الآءن شاهدة له بالكفاءة وسعة الرؤية وبراعة تنظيم الإدارة وغدت في مقدمة المجلات العربية الأدبية والبحثية المحتفى بها في أوساط الاكاديميين والكتاب والأدباء وأهل الفكر وكان وجوده فيها وإشرافه عليها السبب الرئيسي لتوافد أقلام كبار الكتاب العرب للنشر في صفحاتها ومدها بالجديد من دراساتهم وبحوثهم وإبداعاتهم وما كان هذا ليتم لو لم  يكن إسمه يتصدر إدارتها وهذه المجلة هي واحدة من مشاريعه الرائدة المميزة وقد أحرزت النجاح الكبير وحظيت بالتقدير لدى النخب الرفيعة في مشرق الوطن العربي ومغربه وأصبحت من بين العناوين الرئيسية لعمان حينما يمر ذكرها في ندوة أو ملتقى يحضر فورا اسم عمان كمرادف لها مثلها في ذلك مثل رئيس تحريرها الذي ما إن يذكر إلا وتذكر عمان معه.

ومن بين كتب الأستاذ سيف الرحبي الكثيرة التي سلفت الإشارة إلى بعضها في بدايات هذه الورقة كتاب له إسمه “حياة على عجل” به ومضات مركزة امتلأت بالرؤى المتأملة ومحاولة استكناه الحكمة من سيرورة الحياة في هدوئها وسكونها أو في صخبها واضطرابها وتبدل حالاتها. وفي كتابه “نسور لقمان الحكيم” يأتي نصه الباذخ الطويل عن الجبل الأخضر وقممه ومغاراته وصدوع أوديته ومناظر بساتينه وأنواع فاكهته وطقسه الشديد البرودة في الشتاء والجميل في الصيف مع شذرات من تاريخ ذلك الجبل البعيد والقريب.

 

كاتبنا الكبير عاش مغتربا لفترة ليست قصيرة متنقلا بين العديد من الأمكنة فقدد خرج من عمان إلى القاهرة في زهو شبابه عام 1971م فأكسبته القاهرة التغيير في ذائقته ورؤيته للأشياء وادخلته عوالم جديدة لم يكن يعرفها أو له صلة بها وفرضت عليه عشقها والتعلق بها ومنها انطلق إلى دمشق وبيروت والجزائر ليقتبس من كل منها مستجدات أضافت لأفكاره وروءاه قبل ان تأخذه الحياة نحو معظم كبريات المدن العالمية غير العربية كمثل لندن وباريس ووارسو ولاهاي وغيرها ليغوص في عوالمها وينغمس في تياراتها يأخذ ويدع تتلقفه دروبها وتتقاذفه مسالكها مترحلا بين المطارات ومحطات القطارات لا يستقر في موضع حتى يغادره إلى غيره “موكل بفضاء الله يذرعه” شان وصف القائل القديم إلى أن حانت نهاية هذا التطواف المتعب بالعودة إلى وطنه لينعم بالاستقرار فيه وليلتئم شمله بأهله الذين اشتاق إليهم وطال انتظارهم لمقدمه وليجلس على تراب الأرض التي حملها لزمن بين جوانحه أينما تشابكت به الطرق فقد احس في النهاية أن لا مكان في العالم يتسع له ويطمئن إليه غير عمان “سرعان ما ألح علي سؤال ماذا أفعل وحيدا في الشتاءات الكاسرة في هذا القفر الأخضر البعيد؟ ماذا أعمل في هذا المكان الذي ينفح نايا ووحدة”.

وفي النهاية وعلى توالي السنين تجلى أسلوب سيف الرحبي المتفرد في الكتابة أخرجته الموهبة القوية الفائرة من أعماق الذات وصقلته المكتسبات من خارجها عبر المعايشة والتجارب والمشاهدات والقراءات المنوعة. أسلوب شكل علامة بصمة خاصة له عرفها الناس واعتادوها ملتصقة به غير منتمية لسواه.

 

بعد ذلك بداءت اعمال الندوة حيث تضمنت جلستي عمل  ففي الجلسة الأولى التي ادراها الاعلامي عاصم الشيدي  قدم الأستاذ مفيد نجم كاتب وناقد وروائي من سوريا الورقة الأولى بعنوان /المكان والدلالة في تجربة سيف الرحبي سرد من خلاها الكثير من المعطيات المكانية والدالية لتجربة الرحبي الادبية مشيرا الى ان الرحبي بما له من عطاء فائق يعد نموذج يستلهم منه الكثير من المفردات الادبية

 

 

وفي الورقة الثانية من الجلسة الاولى تحدث الدكتور حميد الحجري  عن المقياس الكمي للإيقاع دراسة تطبيقية على قصائد سيف الرحبي  أما الورقة الثالثة فكانت  بعنوان نورسة الجنون: الوضع الاجتماعي اللغوي والمعارضة اللهجية  قدمها الدكتورمبارك الجابري

 

وقدم الدكتور محمد الغزي أستاذ بجامعة نزوى الشهادة الثانية حول تجربة الكاتب بعنوان /صداقة الماء والشعر/ تلا ذلك  الجلسة الثانية والتي ادارتها

الكاتبة زوينة بنت سالم الكلبانية المدير التنفيذي لمؤسسة الأوائل التعليمية حيث قدم  في هذه الجلسة الأستاذ عوض اللويهي   قراءة في أدب اليوميات عند سيف الرحبي حيث قال لعل من أبرز السمات المميزة لتجربة سيف الرحبي الإبداعية التجريب المستمر في مختلف فنون الكتابة الأدبية من قصة وشعر ومقال وأدب رحلات ومتابعات نقدية والشهادات حول عدد من الكتاب والشعراء والفنانين. فتجربة الرحبي في امتدادها الزمني وخاصة في الكتابة الشعرية، منحها العناية الفائقة من قبل النقاد ودارسي الأدب، بينما بقيت الأنماط الإبداعية الأخرى على هامش الاهتمام النقدي لدراسي أدب سيف الرحبي.

   ويجد الباحث أن سيف الرحبي لم يغفل الجانب النثري في تجربته الإبداعية لذا نجده قد أولى كتابات الذات بعضًا من عنايته ضمن مساره الإبداعي العام، ويتجلى ذلك الاهتمام في كتابه السيري “منازل الخطوة الأولى” 1992م، ثم يعود لمعاجلة الجانب السيري في مشروعه الكتابي في كتاب “القاهرة أو زمن البدايات” الصادر في العام 2011م ثم عمله المعنون ب “شجرة الفرصاد: من سيرة المكان والطفولة” الصادر في العام 2016م. ومن جانب آخر نجد أن للرحبي عناية بأدب الرحلات واليوميات حيث نشر عددًا من تلك النصوص في افتتاحيات مجلة نزوى ثم صدرت لاحقا في كتب وكذلك في أعمال نثرية لاحقة صدرت ضمن كتب مطبوعة مثل “نسور لقمان الحكيم” 2011م، من الشرق إلى الغرب يوميات 2013م، سناجب الشرق الأقصى مقاهي باريس 2014م، صالة استقبال الضواري 2017.

            تسعى الورقة إلى عقد قراءة في جنس اليوميات التي ترد في الكتب المشار إليها سابقا، حيث ترد تلك اليوميات موزعة بين الكتابات السيرية كما في يوميات قاهرية في كتاب القاهرة أو زمن البدايات، وبين الكتب التي تندرج ضمن أدب الرحلات كما في نسور لقمان الحكيم، سناجب الشرق الأقصى، “يوميات الجزر الآسيوية- يوميات قرية ألمانية” ضمن كتاب من الشرق إلى الغرب. ويغلب القالب النثري على تلك اليوميات، ولكننا نقع على يوميات مكتوبة بقالب شعري كما يتجلى ذلك في “من يوميات الأفق المفتوح” المنشورة ضمن كتاب نسور لقمان الحكيم. ولذا تحاول الورقة أن تستجلي موقع اليوميات بين النمطين السيريوالرحلي في كتابات الرحبي من جهة، وموقعها بين القوالب الفنية النثرية منها والشعرية.

وصاحب هذه الندوة والتي حضرها عدد كبير من المثقفين والمهتمين  معرض مصغَّر لمجموعة مختارة من إصدارات الرحبي. 

الجدير بالذكر ان الكاتب سيف الرحبي يمثل  ظاهرة أدبية لافتة في التاريخ الأدبي والثقافي الحديث والمعاصر في سلطنة عمان، فقد شكّل أدبه ركيزة أساسيّة، فتح في الشعر دروبا، وفي النثر مسالك، وفي الجمع بينهما فتح آفاقاً جديدة للأجيال اللاحقة. ولسيف الرحبي ثراء إبداعي متنوّع، صدر له مجموعات عدة تنوعت بين الشعر والنثر والسرد منها  / نورسة الجنون/ ، /الجبل الأخضر/، و/أجراس القطيعة/، و/رأس المسافر/، و/مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور/، و/رجل من الربع الخالي/، و/يد في آخر العالم/و/جبال/، و/الصيد في الظلام/، و/ الجندي الذي رأى الطائر في نومه/، و/مقبرة السلالة/، و/قوس قزح الصحراء/، و/قطارات بولاق الدكرور/، و/ذاكرة الشتات/،و/أرق الصحراء/، و/حوار الأمكنة والوجوه/، و/منازل الخطوة الأولى/،و/حياة على عجل/، و/صالة استقبال الضواري/، و/رسائل في الشوق والفراغ/، ومن بين كتب الرحبي كتابان يتحدثان عن سيرته الذاتية هما: /منازل الخطوة الأولى/ و/شجرة الفرصاد/ بهما قصص وحكايات من طفولته ونشأته وتنقلاته وتجاربه. وقد نُشرتكتبه في كبرى دور النشر العربية وتُرجم بعضها إلى لغات أجنبية عدة. يترأس سيف الرحبي تحرير مجلة نزوى الثقافية الصادرة عن مؤسسة عمان للصحافة والنشروالإعلان