الرونق العذب شذرات من اللؤلؤ الرطب (٤)

0
387

نكمل ما بدأنا به معكم بصحبة الشيخ سعيد وحديثه الشيق المفيد والشذرة الرابعة من القصص والأخبار الرائعة

ومن أخبار شيخنا الرقيشي يقول: كان رجل من أهل منح عنده زوجة  ثرية، يطمع في إرثها،  فأبطأ عليه موتها، فسولت له نفسه اغتيالها  وكانت عادتها أن تقوم قبل الفجر  فتجذب ماء من البئر  الذي بالمنزل فتتركه مهيئًا لمن أراد الغسل والوضوء ولسقي الحيوانات ، قال: فجاءت على عادتها ، وهي  ضعيفة النظر فجاء الزوج من خلفها  فدفعها في البئر، وهرب قبل أن  يعرف خطته هل تمت أم لا،  وخرج على وجهه حتى نزوى، فوجد الإمام محمد بن عبدالله الخليلي  وأصحابه يقرؤون القرآن بعد صلاة الصبح ، فنادى أيها الإمام وكأنه يأخذ شفعة، إن أهل منح قتلوا زوجتي،  رموها في البئر ،. قال له الإمام: وما شأن زوجتك حتى  يجتمع عليها أهل بلد كلهم ؟

قال:  لا أدعي على فرد بل على الجميع، ولعله يظن أنه يحصل قسامة مع الميراث، فأمر له الإمام بالسجن من دون توقف . قال:  ادخل السجن حتى يتضح أمر زوجك، أما هي فإنها تعلقت  في الحبال وصاحت ، فأدركها جيرانها وأنقذوها سالمة، فأرسل الشيخ خالد بن هلال الهنائي  وهو الوالي يومئذ  على منح يخبر الإمام عن الواقع، وأنه إذا مر عليهم الرجل  فليلقوا عليه القبض، قال الإمام:  عرفنا ذلك من قبل وفعلنا،  ومن  توفيق الله لهذا الإمام ، كما أخبر الشيخ الرقيشي:  أنه قُتل رجل ناصري في وادي العين ولم يعرف قاتله ومضت مدة في البحث عن القاتل ما يقرب من سنة،  وبعد ذلك جاء رجل هطالي إلى الإمام يشتكي يقول: إن فلانًا (( لم يحضرني اسمه)) أجرني على أن أقتل فلانًا ، يعني المقتول الناصري  بخمسين قرشًا لم يعطني  إياها  فأنا أطلب حقي فقال له الإمام : أأنت صاحبه؟ قال: نعم بأمر فلان  وبعد الإقرار الواضح  قال  الإمام: أنا أعطيك حقك،  منذ مدة أطلبك فلم أجدك، وأمر بقتله .
أخبرني الشيخ الرقيشي  قال :  تزوج رجل من أهل سعال بنتًا من العقر – نزوى –  فلما زفت إليه، وكانوا متوسطين الوادي الأبيض سال عليهم الوادي ففرقهم كل على وجه، وبقيت العروس وحدها حائرة لا تدري أين تذهب، وقد أخذ الخوف منها كل مأخذ وفي حيرتها تلك رأت سراجاً على بعد  فقصدته ،  وإذا  بالسراج في حجرة، فهجمت على الباب  فدخلت تلك الحجرة  فوجدت شيخًا منكبًا  على كتابه يقرأ، فجلست بجانب من تلك الحجرة كالمستميت، فبقيت طول ليلتها تلك خائفة تترقب وتنظر إلى ذلك الشيخ يقرأُ  مليًا  وبين حينٍ وآخر يضع أصبعه على نار السراج  ثم يعود فيقرأ وهكذا  حتى أصبح فخرج يصلي الصبح ، ولما رجع سأل البنت  من أين هي؟  وما الذي ادخلها عليه؟  فأخبرتها عما جرى لها، وطلبت منه أن يوصلها إلى بيت أبيها فقال لها : امشي خلفي ودليني على البيت فقرع الباب على أبيها وقال له: هذه أمانة  اقبضها والسلام عليكم فأخبرت أباها بخبر الشيخ وكيف يحرق اصابعه  وحدثته عن أمانته وصيانته لها ، وكان لأبيها صديق  فدعا به  يشاوره يقول له؛ (( إن نفسي ترغب  أن أزوج  هذه البنت لذلك الشيخ  فكيف السبيل إلى ذلك ؟ ولا يحب أن يكدر على زوجها الأول ، إن الذي وقع خارج عن إرادة الجميع )).
قال له: أنا أكفيك ذلك ،
فذهب إلى الزوج فسأله عن خبر العرس وعن نيته  في الزوجة وما وقع من الشؤم ، قال:  في الحقيقة إن في نفسي من ذلك شيئًا ،. ولكن لا أدري ما أفعل ولا ذنب لها ،. وإنما هذا قضاء من الله قال الصديق: ولكن الشؤم في ثلاثة والأحسن أن تتركها   قال : لكني أستحي من أبيها. قال:  أنا أكفيك إياه
قال: أخاف أن يكون في نفسه عليّ قال : لا  وسوف ترى منه ما يسرك، فطلقها وهي بُغية أبيها، وبعد ذلك قصد الشيخ  فعرض عليه البنت فقبلها الشيخ  وتزوجها وأنجب منها، قلتُ: وهذه ثمرة التقوى (( من ترك شيئًا لله عوضه الله)) ، فسألته بعد ذلك  عن سبب حرق أصابعه ليلة المحنة  فقال: إن نفسي تقول لي هذه غنيمة سيقت إليك ،. وهي على ماترى من الزينة  والطيب والشباب والجمال و….. و….. فإذا زادت عليّ أذقتها حر النار حتى تكوى ، وهكذا الصراع حتى أصبحنا ، ومن مرويات والدي رحمه الله عن الشيخ عيسى عن أبيه قال: وكان الإمام يومًا بارزًا ،. وبجانبه الشيخ سعيد بن خلفان  الخليلي ، ولعل الإمام كان مشغول الفكر، فعبث بنجاد سيفه عدة مرات، فضربه الشيخ الخليلي على يده وقال : لا تلعب ، فانظر إلى جدهم في الأعمال والأقوال  كما حكى أيضًا أنه تقدم للشيخ الخليلي  اثنان متخاصمين، فتكلم المدعي ، ورد المدعى عليه، فسكت الشيخ عنهما طويلًا، وهما في وسط الناس، وقد تعبا من الانتظار  قال الشيخ صالح بن علي الحارثي  وكان بجانبه: أيها الشيخ: أراك لم تحكم  بين  هذين قال له : احكم  أنت قال: لا  سامحني ظننتك  اشتغلت بفكر ونسيتهما قال: لا ولكن في الحكم بينهما عشرة أقوال،. ولا بد لي من ترجيح أحدهما، وأنت إن حكمت بالقول الذي تحفظه   ستريحني من التماس الأدلة للترجيح  قال  : وعتب الشيخ محمد بن سليم الغاربي  على الشيخ الخليلي  بسبب تغريقه بعض أموال الظلمة يقول : لا أرى ذلك ، لأنه إن أراد أن يتخلص هذا الظالم من المظالم بم يتخلص؟  وقد أخذتم ماله؟  فقال الشيخ : من جملة اقناعه للشيخ الغاربي : إذا مثًلا ظلمك ظالم حمارًا  فوجدته في البرية،  وقدرت على أخذ حمارك هل تتركه له ؟ تقول أنه سيهلك إن أخذت عنه الحمار بأنه لا يقدر أن يتوصل  إلى البلد ، ثم تأخذ حمارك ولا تسأل عنه  قال: بل آخذ حماري قال : اذًا فالمسلمون  قدروا على أخذ مالهم من ظالمه  فقال الشيخ الغاربي: حسن : سلمت لك  الأمر  وفي الحقيقة أني أعترف  أنه  ليس عندي  ما أقف به محتجًا  في وجه نسل  الخليل بن شاذان .

بقلم/ ماجد بن محمد بن ناصر الوهيبي