تناقضات لندن……ورعب سقوط الطائرة

0
531

أناظر شرفةَ الطائرةِ وقد بدتْ مدينةُ الضبابِ لندن تتضحُ شيئاً فشيئاً، بعدَ نومٍ عميقٍ سكنهُ رعب سقوط الطائرةِ التي أقلتنا من مسقط عاصمةِ البياض.

ألبسُ نظارتي المهترئة محاولاً استيعابَ الأمر، أنه حلم، والحقيقة أن قدماي تقفُ في مطار ِهيثرو، وأنا أسحب شنطتي الثقيلةَ المكتظةَ بالملابس، كاكتظاظِ المطارِ بأصنافِ البشرِ القادمين من كلِ حدب وصوب، كلٌ له قصة لمجيئهِ إلى هنا، وأنا كعادتي في تأملٍ مستمرٍ في وجوهِ المغادرين والقادمين على حدٍ سواء.

نزلتُ إلى حيث مقر السكنى، في فندقٍ يقالُ أنهُ كان بيتاً من بيوتاتِ أحد أثرياء لندن، انتقل إلى ربه، في موتةٍ لم استصيغها، كما حكتْ لي موظفة الاستقبال.

الليلةُ في الغرفةِ الظلماء إلا من بصيصِ نورٍ قادمٍ من آخرِ أطرافِ النافذة، وأنا بين يمنةٍ ويسرةٍ لاستحضار ِ النوم، أحسبُ معهُ تعدادَ البشر الذين ناموا على ذاتِ الفرش، وأناسُ الثري اللندني الذين عاشوا معه.

أطل الصبح ولَم أنم جيداً، وأنا على موعدِ الاتجاهِ إلى محطةِ BBC، وها هي قد أكملت الثمانيين عاماً على ولادتها، غالبتُ النوم، احتسيتُ شاياً من صنعي أحضرتهُ معي من بحرِ عمان ، لبستُ هندامي، رشةٌ من عطري المفضل وذهبتُ إلى المحطة، فإذا بالحراسِ قد أكملوا مهمةَ التفتيشِ الدقيقة، وكأنه خُيل لي بأنني في القائمةِ السوداء، فالأمر ٌطبيعيٌ جداً، كيف لي أن أدخلَ محطةً بهذا القدر من القوةِ الإعلاميةِ وإن اختلفنا في بعضِ سياساتها.

المكانُ هو مكاني كما يخالُ لي، فالمطبخُ الإخباري هو جلُ حياتي، نعم تغيرتْ التوجهات والسياسات في أكبرِ غرفةِ أخبارٍ في العالم، والعجيبُ أن العاملين حطوا رحالَهم فيها من مختلفِ صنوف الجنسيات، وكلهم جُبلوا مع توجهاتِ محطتهم.

القرار ُجاء أن نستكملَ الدورةَ في مدينةِ ليستر، على يدِ محاضر ٍجالَ وصالَ في معمعةِ الأخبارِ بالمحطة، فصنع من محاضراتهِ ما آلمني، استنفرَ حمية قلوبنا العروبية البحتة، فكانت الحروبُ في الوطنِ العربيِ مادةً دسمةً تدرسُ لطلبةِ الإعلام، والغريبُ أنني استشعرتُ مقعدي أيامَ دراستي الجامعية، ما زلت بذاتِ المواصفات، الطالبُ الهادئُ، الخجولُ، الذي لا يشاركُ إلا فيما ندر، عدتُ وكأن شخص ظهوري أمامِ شاشاتِ التلفزة هو ليس أنا، مفارقة عجيبة لا أفهمها.

انقضتْ الأيامُ سريعاً في ليستر المتسمة بجمالِ سكانها قبل مبانيها، لنعودَ إلى ضجيجِ المارةِ والحياةِ معا في لندن العظيمة بهاردوس قصر الملوك الذي تحول إلى مركزٍ تباعُ فيه أغلى العلاماتِ التجارية، حيث يبتاعُ منهُ الأثرياء من الخليجِ العربي وغيرهم كما رأتهم أم عيني، الذين يقضون مصيفهم في طرقاتِ لندن، وفِي الجانب الآخر يلتهمُ الفقر الكثير من النازحين العرب عن أوطانهم المشتعلةَ بنار ِ الحرب الضروس، والعديد منهم يستجدون المارةَ ليصمتوا صراخَ جوعِ أطفالهم….. معادلةٌ مؤلمةٌ تأملتها مع مروري في أزقةِ لندن المترفة، وفِي طرقاتِ أكسفورد وشارع العرب الذي يفوحُ بأرجيلات دخائنِ الموت.

حان وقتُ العودة، بين شوقِ للوطن، وعدمِ الاكتفاءِ بحياةِ الصخب، فتتثاقلُ قدماي مع اقترابِ الرحيل، أحزمُ أمتعتي وأتوجهُ لمطارِ هيثرو، أصعدُ للطائرة، أغفو، ليعودَ مسلسل الرعب الجاثم ” سقوطُ الطائرة “، لاستفيقَ بفزعٍ مع صوتِ ارتطامِ عجلةِ الطائرةِ بمدرجِ مطار مسقط الدولي……الحمدُلله إنها الحقيقة

بقلم / فارس بن جمعة الوهيبي