روحانية الحرمين الشريفين

0
131

تختلف الوجهات وتتعدد المقاصد وليس هناك أعظم من وجهة الله الواحد الذي إذا سئل أعطى وإذا دعي أجاب ولا خاب من دعاه لاسيما المظلوم فإن دعوته ليس بينها وبين الله حجاب .

وتعقيبًا على ما كتبناه في مقالنا قبل الأخير والذي كان بعنوان إليها تُشد الرحال والشىء بالشىء يذكر فقد أخذنا الشوق لمكة مهبط الوحي الأمين روح القدس جبريل عليه السلام ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم وخاتمة الكتب والرسالات ومنها انبثق نور أول كلمة (إقرأ) في جبل النور من غار حراء، فنشطت بنا الهمة وسارعنا لتحقيق الغاية بالعزم على الزيارة والعمرة وإلا تجاذبتنا مشاغل هذه الحياة ولحقنا التسويف والفتور وأقعدنا الكسل عن بلوغ الأمل فحددنا نقطة البداية ورسمنا الخطة التي تكون منها الانطلاقة لأسعد نهاية بإذن الله.

ولقد فضل الله أمكنة عن أمكنة كما فضل أوقاتًا وأزمنة واختار وفضل بعض النبيين على بعض وخص كل واحد منهم بما شاء، فمكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس التي بها المسجد الأقصى هذه الأماكن من أطهر البقاع على وجه الأرض ومن أحب الوجهات التي يرغب المؤمن أن يقصدها .

اللهم كما كتبت لنا زيارة الحرمين المسجد الحرام والمسجد النبوي اكتب لنا زيارة للمسجد الأقصى وارزقنا الصلاة فيه ، هذا وإن مما يثلج الصدر ويبهج القلب ونحن جلوس في المسجد الحرام نتلوا القرآن الكريم في وقت العصر من يوم الإثنين خامس أيام شهر رمضان المبارك إذ اجتمعت لنا ثلاثية جميلة هبة من الله العزيز الوهاب ربما كنا نحن أكثر سعادة وفرحة بها من أهل مكة أنفسهم وهذه الثلاثية الجميلة تتمثل أولًا في زيارة بيت الله الحرام لأداء العمرة ثانيًا كون هذه العمرة في شهر رمضان المبارك التي تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا تغني أو تجزي عن حجة الفريضة للقادر عليها ثالثًا نزول الغيث الذي أدخل السرور على قلوب الجميع قبيل الغروب والإفطار ويالها من فرحة غمرت كل الديار فأومضت البروق وسمعنا جميعًا قصف الرعود والناس بين تلاوة وذكر وسجود .

فما أعظمها من لحظة وما ألطفها من نسمة من نسمات الجنة وإنه لكرم بلا حدود ولطف خفي وظاهر من الله العظيم الودود، وكان مصحف أبي رحمه الله رفيقي في الرحلة لهذه الديار المقدسة سواء لحج أو عمرة أو لمكة أو للمدينة وقد وضعته في حقيبة انقلها حيث أشاء أعلقها على رقبتي وأمضي إلى طاعة ربي معترفًا بفضل الله عليّ أولًا ثم فضل أبي عليّ واصلًا له بالبر حتى بعد موته ، رحمه الله ورحم أمي كذلك فإن فضلهما عليّ عظيم وإن رضاهما من رضا الله العزيز الحكيم .

هذا وإن لهذا المصحف كرامة وكانت هذه الكرامة تتكرر معي عرفها من كان معي في صحبة الحج أو العمرة ألا وهي: أنه من يرى هذا المصحف يمعن النظر فيه ثم يطلب مني أن يقرأ فيه لبرهة فأجيبه مسرورًا على الرحب والسعة وهو مصحف قديم كان أبي رحمه الله يقرأ فيه وتركه معي قبل موته لأكمل نفس المسير بعده والسير والتقرب إلى الله زلفى سالكًا نهجه ومبتغاه ، وقد حدث لي موقف كذلك في هذه الزياره ولكن هذه المرة في طيبة الشوق ويثرب الخير ومدينة النور في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كنت أقرأ منه قبل صلاة الظهر من يوم الخميس ثامن ايام شهر رمضان المبارك فأقيمت الصلاة فوضعته في الأماكن المخصصة للمصاحف على أن أستأنف القراءة بعد الصلاة وما إن فرغت من صلاة السنة لم أجده في مكانه وإذا برجل قد تناول المصحف بقلبه قبل يده وقد شرع بالقراءة منه وأبحر في ملكوت الله بالذكر والتلاوة وقد قلتُ لمن معي من الأصحاب اسبقوني إلى النزل حيث مكان السكن ونزول الرحل فإني سأمكث في الحرم النبوي الشريف حتى ينهي هذا الرجل التلاوة فأستلم المصحف منه وأعود به إليكم وهذه كرامة لأبي رحمه الله وصدقة جارية أن ترك مصحفًا يتلى فيه بعد موته خيرًا واصلًا إليه ونورًا له في قبره ، وقد تواصل معي أحد الأحبة الأعزاء ونحن في طريقنا إلى المدينة المنورة مودعين مكة الأشواق ومهجة الأحداق وسألني قائلًا هل كنتم في مكة وقت نزول الغيث وطلب مني أن أكتب مقالًا يتعلق بهذا الشأن وقلت في نفسي أن المقال يسمعك وقد شرعت بالكتابة فعلًا ثم قال لي أنه قرأ في برامج التواصل المختلفة عن هذا وأن أهل مكة وبلاد الحجاز عامة قد عبروا عن فرحتهم وشعورهم الذي لا يوصف فأحببت أن تكتب عنه فقلتُ له حتى وإن لم أكتب سأكتب استجابة لطلبك فأنا رهن إشارتك أنت وكل من في مجموعة أمة إقرأ تقرأ فشكرًا لله على ترادف النعم وإن ما ترسخ في ذهني وصية شيخ حكيم وإن من وراء هذه الوصية مغزى عظيم ولها أثر ساطع في الصميم وهي وصية الشيخ العلامة سعيد بن حمد الحارثي رحمه الله حيث كان يقول لي عندما ترى الكعبة تذكرني وتذكر وجهي ولعمري إن المغزى هو الدعاء فرحم الله الشيخ وأجزل له العطاء ونسأل الله كما جمعنا به في دار الفناء أن يجمعنا به في دار البقاء وقد دعونا للجميع ممن أوصونا بالدعاء من الأهل والأحبة والصحب

وسألنا الله أن يصرف عن إخواننا أهل الجنوب السوء والضر وعن وطننا عُمان خاصة وسائر بلاد المسلمين عامة وأن تكون سقيا غيث ورحمة لا سقيا هدم وغرق وأن ينفع بهذا الغيث البلاد والعباد ونتأسى بخير الخلق نبينا العظيم محمد صلى الله عليه وسلم حيث ورد عنه أنه كان يقول عند هبوب الرياح اللهم إنا نسألك خيرها وخير ما أرسلت به ونعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به صدق رسول الله أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ونفوض أمرنا إلى الله ولا ندعو على أحد ولا نشمت بأحد والله حسبنا وهو نعم الوكيل

هذا وإن خلاصة هذه الرحلة المباركة تكمن في روحانية الحرمين الشريفين في أبهى صورها ومعانيها حيث منظر تلك الجموع وهي تطوف بالبيت وأنه لتناسق عجيب ومنظر مهيب كما لمسنا نفس المشهد في المسجد النبوي الشريف حينما يتوافد جموع الزوار للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه من المعتمرين وغيرهم

اللهم ارزقنا في الدنيا اتباعه والسير على نهجه وهدايته وارزقنا في الآخرة شفاعته واحشرنا في زمرته وجماعته جمعًا على سنته وطاعته إنه ولي ذلك والقادر عليه.

بقلم /ماجد بن محمد بن ناصر الوهيبي