الإبحار إلى مراسي الموت

0
493

بقلم/ بدر بن عبد الله الهادي
على رمال شاطئ البحر وفي مكان شبه خال عدى من بعض الزوار يتناثرون هنا وهناك، يستمتعون بغروب الشمس، وبخيوطها الذهبية المنعكسة على سطح مياه البحر فكأنها عقود نزلت من السماء، فتروي قلوب العذارى. فالشواطئ البعيدة لا يذهب إليها غير من كان يبحث عن السكينة والهدوء، والابتعاد عن صخب السيارات، وتهريج بعض البشر، خاصة أولئك الذين يخوضون في مواضيع لا تعنيهم ولا يفقهون شيئا مما يتحدثون فيه، غير أنهم يخوضون مع الخائضين، فهم صم بكم عمي.
في هذا المكان لا صوت يعلو على صوت أمواج البحر الهائج، ومع ذلك الهيجان الذي تصاحبه أمواج عاتية، وقد اختلط بها زبد البحر في دلالة واضحة على الغضب الذي يخفيه داخل أعماقه.
أما أنا فقد أمعنت في غياهب الخيال، وكأنني أشاهد
تلك السابحات وهي تمشى على سطح مياه البحر تتقاذفها الأمواج والأيادي مرفوعة إلى السماء ينتظرون رحمة الله تتنزل عليهم.
في تلك البقعة البعيدة حيث لا صوت يعلو على صوت الأخيلة الجامحة تذكرت بعض القصص الأسطورية التي تتناقلها الأجيال بعضها حقيقة راسخة لا لبس فيها، والبعض الآخر من نسج الخيال، لكن هناك قصص أخرى مؤلمة لأشخاص حاولوا العبور عبر البحار بحثا عن الرزق، غير أن البحر ابتلعهم، بعضهم أصبح طعاما لأسماك القرش والبعض قذفته الأمواج إلى الشواطئ، وطفقت أستعيد شريط تلك الحوادث المؤلمة، وقد تخيلت نفسي راكبا معهم على ظهور تلك القوارب البالية التي اكتظت بأجساد بشرية مختلفة الشعوب والقبائل، وأنا أقف في زحمة تلك الأجساد، كنت أسمع صراخ الأطفال، والنساء، وبكاء الرجال، وهم يستغيثون، يبحثون عن طوق للنجاة، ولعل تلك الصرخات كانت تنادي ربها وهم في معزل تتقاذفهم أمواج كالجبال فحال الموج بينهم وبين الأمنيات التي كانوا يحلمون بها على شواطئ النجاة، فلا يرون غير الموت ماثلا أمامهم فكانوا من المغرقين.