قطوف تربوية

0
884

محمد بن علي الوهيبي

1/6/1985 كان هذا التاريخ هو بداية رحلتي في مسيرة التعلم رغم أنني سبق وان وقّعت قبل هذا التاريخ بثلاث سنوات على عقد القبول والالتزام بوظيفة معلم بعد الانتهاء من مقررات الدراسة النظرية والعملية في معهد المعلمين بالقرم، وكان حينذاك معالي يحيى بن محفوظ المنذري وزيرًا للتربية والتعليم وشؤون الشباب حسب مسمى تلك الأيام، أيضًا في ذاك الزمن كانت دائرة البعثات بوزارة التربية تقوم بالدور الحالي لوزارة التعليم العالي في استكمال اجراءات ومتابعة المبتعثين للدراسة الجامعية خارج البلاد لعدم وجود أي جامعة أو كلية في السلطنةحينها.
هكذا كانت أيام البدايات للنهضة الحديثة لبلادنا عمان، فكانت عجلة التنمية تتسارع وتيرتها شيئًا فشيئا نراها ونلمسها أينما اتجهنا ربما لأننا من سكان العاصمة كنا نلحظ ذلك بشكل أوضح، وكأن عُمان في سباق مع الزمن فكان ناقوس العلم يدق في كل ساعات اليوم، أغلب المدارس برمجت مواقيتها وساعات عملها بنظام الثلاث فترات في الصباح وبعد الظهر وفي المساء، الصباح كان للطلبة أو للطالبات حسب الكثافة الطلابية لأي من الجنسين في المنطقة التي تتواجد فيها المدرسة وفي المساء كان لمن تقدم به العمر وإن كان بالطبع ليس للعمر علاقة بزمن وسن التعلم والتحصيل الدراسي لكنني أعني هنا من تجاوز سن القبول في التعليم الإلزامي رغم التساهل الذي أبدته المدارس في قبول الطلاب مراعاة لتلك الفترة لكونها زمن البناء، ولاتبني الأوطان تواريخ أمجادها وأزمنتها الفاعلة إلا بالتعليم وسواعد أبنائها، يكفي هذه البلاد الزمن الذي ضاع فيه الكثير من ازمنتها عندما أُغرقتْ في ظلام الجهل الدامس.
فكان هدف مرحلة السبعينيات تعليم وإعداد أكبر عدد ممكن من أبناء وبنات عمان لسد الشواغر في مختلف المهن والوظائف والأعمال، وأيضًا هناك من كان لديه ارتباط وظيفي أثناء النهار، ولكنه كان يسعى جاهدًا لتطوير قدراته ومؤهلاته التعليمية لتحقيق طموحاته في السلم الوظيفي والمعرفي وهناك أمثلة كثيرة لمن التزم في التعليم الليلي وشق طريقه بعد ذلك بعزيمة وإصرار وواصل إلى التعليم الجامعي واستطاع تحقيق اهدافه التي كان يسعى إليها،
فمن عايش تلك الأيام يدرك بأننا كنا نعيش في ورشة عمل ضخمة وكانت كل دقيقة تمر من إيقاع الساعة المعلقة على حائط النهضة بمثابة عُمر لجيل كان ينتظر شروق شمس المدارس النظامية بشوق وشغف ليس له حدود، وكان سقف الطموح والأمل عاليًا.
حسنًا سأعود مرة أخرى إلى عام 85 الذي شكل لي زمن البدايات في مسيرتي التعليمية والعملية وسأكون صريحًا وواضحًا حين أقول أن هذه المهنة لم تكن ضمن أحلامي التي كانت تخايلني ولكنها الأقدار رسمت الطريق فمشيته واقعًا لأكتشف لاحقًا أن ما قدره الله كان أجمل مما كنت أفكر وأحلم به، وأقع في غرام أسمى المهن وأنبلها، وأجدني شيئًا فشيئا عاشقًا ومحبًا لمهنة عظيمة ولسموها وعظيم مكانتها اقترنت برسالة الأنبياء، ستعيش معي هذه المهنة لآخر العمر وأظنه وأحسبه عمرًا سعيدًا، رغم أنني أيضًا اشتغلت لسنوات بصحبة مهنة التعليم في الصحافة ولكن الآن الوقت ليس مناسبًا للحديث عن هذه المهنة الجميلة والممتعة. سأقول هنا ليست وحدها مهنة الصحافة مهنة البحث عن المتاعب بل أن مهنة التعليم هي التحدي الأكبر ومهنة كل المشاق والمتاعب في كل الأزمنة خاصة في زمن البدايات الذي عاشته بلادنا، وهو الزمن الذي عايشناه واقعًا، كانت الإجازة يوم الجمعة فقط وكان عدد التلاميذ يزيد عن 40 طالبًا في معظم الفصول الدراسية وكان نصاب المعلم أو المعلمة 30 حصة في الأسبوع، وبعض أيام العطل كنا نقضيها في معسكرات العمل المدرسية، ذلك ما كان فحملناه حُبًا وقدمناه واجبًا وإخلاصًا وتضحية للوطن العزيز، وكان معظم أولياء الأمور في ذلك الزمن لم ينالوا حظهم من التعليم لقسوة زمانهم حيث كان همهم الأكبر تحصيل لقمة العيش لهم ولمن يعيلون، وكان التعليم يُعد من ترف الحياة ورغدها ورفاهيتها، ونظرًا لذلك وفي غالب الأحيان كانت مهمة التعليم ملقاة على عاتق المدرسة وحدها، ومن اللافت والرائع جدًا في ذلك الزمن أن ولي أمر التلميذ كان يؤمن برسالة المدرسة ودورها لدرجة القداسة، فكانت النظرة لمن يقوم بتعليم فلذات أكبادهم فيها من الإكبار والتقدير والإحترام الشيئ الكبير.
فكان لهذا التصور عن المعلم والعلم والتعلم السائد لدى أولياء أمور الطلاب كان له الدور الأهم الذي ساهم في إعداد أجيال شاركت بفاعلية كبيرة في نهضة واستقرار البلاد وفق الخطط التي رسمها قائد المسيرة الحكيمة والواعية السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه.
وفي تلك الفترة المفصلية قاد العمل التربوي بوزارة التربية والتعليم منذ مسماها الأول وزارة المعارف العديد من التربويين الذين تركوا بصمات واضحة لا يمكننا نسيان أو تغافل أدوارهم
وسأكتفي في هذه السطور الإشارة إلى بعض الأدوار التي قامت بها المرأة ليس في التعليم وإدارة مدارس البنات فقط بل إلى تواجد المرأة وبشكل لافت وفاعل في ديوان عام الوزارة فكانت هناك قيادات نسائية ممن تلقين تعليمهن خارج البلاد مثل الكويت والبحرين وغيرها من البلاد ، ساهمن بفاعلية كبيرة في رسم السياسات التعليمية وإدارة الامتحانات والتخطيط والشؤون الإدارية والمالية وغيرها جنبًا إلى جنب مع الرجل وكانت لهن أدوار ريادية لا يمكن تجاهلها، إضافةٍ إلى مهام وأدوار المعلمات ومديرات المدارس في كافة المحافظات التعليمية.
على سبيل المثال لن تنسى الأجيال إسم الأستاذة الفاضلة -بدرية خلفان- بهذا الإسم عُرفت، وهي من أوائل من اشتغل في التربية والتعليم من النساء فكانت عنوانًا للحزم والصرامة وقوة الشخصية خاصة عندما تولت إدارة الامتحانات في ديوان عام الوزارة وكانت تشرف على وضع ومتابعة الامتحانات وكل ما يتعلق بها في أشد الظروف صعوبة وشراسة وضراوة في الوقت الذي كانت جغرافية السلطنة قاسية، قبل شق الطرق وتعبيدها واختراق تلك الجبال وأوديتها العظيمة، وبُعد المدن والقرى عن المركز كان من أكبر التحديات والصعوبات التي واجهها الرعيل الأول، لكنهم وبإخلاصهم وعزمهم تغلبوا عليها، وكان التعليم في مرحلة السبعينات في بلادنا كالنقش على الحجر قولا وفعلا.
كما أتذكر أيضًا الأستاذة الفاضلة سميرة بنت محمد أمين
وهي ابنة الأستاذ محمد أمين عبدالله البستكي الأديب والكاتب المعروف الذي يُعد الرائدً الأول للترجمة في بلادنا.
تولت سميرة أمين بعض الوظائف القيادية في ديوان عام الوزارة وكانت تشرف على المهرجانات الطلابية في المناسبات الوطنية.
ثم يأتي اسم الاستاذة الفاضلة شيرين بنت محمد الغمارية، كانت مديرة لمدرسة الزهراء الإبتدائية للبنات في مسقط ١٩٧٢/١٩٧١م، بالإضافة إلى كونها أيضًا أول قائدة للمرشدات في السلطنة.
ومن القيادات النسائية أتذكر الأستاذة الفاضلة رحيلة الريامية التي كانت مديرة للتخطيط في ديوان عام الوزارة، وكان من اختصاصات هذه الدائرة رسم الاحتياجات التعليمية لكافة مدارس السلطنة من معلمين ومعلمات ومبان وكتب وأثاث ووسائل تعليمية وغيرها من المستلزمات، وذلك بعد تحديد التشكيلات المدرسية.
ومن التربويات الرائدات الأستاذة والشاعرة الدكتورة سعيدة بنت خاطر الفارسية، وكانت كما أتذكر أول مديرة لمدرسة روي النموذجية للبنات، وهي ايضًا أول مدرسة مُنحت مسمى المدرسة النموذجية ولا أعلم إذا كانت هناك مدارس أخرى حملت ذات المسمى.
كما تدرجت الأستاذة الفاضلة فاطمة الخروصية في عدة مسميات وظيفية في الشؤون المالية فكانت مديرة للموازنة ثم مديرة عامة للشؤون المالية.
سأكتفي في هذه العجالة بتذكر تلك القيادات التربوية وبالتأكيد هناك العديد من الأسماء من النساء والرجال الذين أثروا مسيرة التعليم في بلادنا وجميعهم يستحقون نياشين التقدير والذكر والإشادة.

أعود وأقول ما أجمل غرس مهنة التعليم إذا أينع وتفتحت زهوره و ما أروع ثمر المدارس.
كم يفرح المعلم ويُسر عندما يرى أحد تلاميذه الذي جاء إلى المدرسة ذات زمن مضى كلمح البصر، أتى ذلك التلميذ منسابًا كقطرة ماء وصار يؤدي وظيفة في مكان ما ويقول لمعلمه الذي ذهب إلى ذاك المكان صدفة أو لإنجاز عمل معين هل تتذكرني يا أستاذ؟! ويقف المعلم مذهولًا! أستاذ !!وزمن المدارس!!
آه ياقلبي ما أجمل ذلك الزمان فيستدعي ذاكرته ويتساءل في أي المدارس كنت يا إبني؟ ذكرني من فضلك؟! وعُد بي إلى الزمن الجميل؟ فالآن تتراءى لي كل طيوف المدراس التي مررتُ بها وكل من زاملتهم فيها.

-يا أستاذي أنا ذاك التلميذ الذي أمسكت بيده ذات زمن وكان القلم يترنح تائهًا بين أصابعه الصغيرة أنت من تعهده، وأنت من علمته كيف يتهجى ويرسم الحروف الأولى للحياة.