تصحيح مسار الشورى

0
462

مقدمة موجزة

هذا المقال التحليلي عبارة عن دراسة تحليلية موجزة لأوجه القصور ونقاط الضعف في اللائحة الداخلية المنظمة لعمل أعضاء مجلس الشورى الصادرة في 15 سبتمبر 2012 بغية الوقوف على بعض التحديات التي تواجه مجلس الشورى على أمل تغييرها أبان العصر الجديد وبما يتلائم مع مرحلة النهضة المتجددة.

وهذا الجزء الأول من ضمن خمسة أجزاء تم إرسالها بداية في مجموعة أعضاء مجلس الشورى في شهر مارس 2020 وبعد ذلك تم إرسالها إلى رئيس مجلس الشورى مع محاولة مسبقة لإرسالها لمعالي الدكتور رئيس المكتب الخاص لجلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله ورعاه.

وهي عبارة عن مقالات تحليلية توضح أوجه القصور والتحديات التي تواجه مجلس الشورى مكونة من خمسة أجزاء وتقسيمها إلى عناوين مختلفة حتى يسهل على المتابع أو القارئ إستيعاب المقصود.

ملائمة القوانين للإحتياجات

يؤكد المخططين على إنه لا يمكن تحقيق التطلعات والتطورات المنشودة في كافة المجالات الحياتية الإ اذا تم الاعتراف بالمشكلة ومسبباتها حتى يتمكن المخطط من وضع الإجراءات التصحيحية وتحقيق الأهداف المرحلية؛ ولاشك بأن تطوير القوانين والتشريعات في عمل المجالس التشريعية والرقابية المنتخبة سواءا كانت مجالس برلمانية أومجلس الشورى أو مجلس الشعب أو مجلس الأمة يعتبر من الأهمية بمكان لتناسب متطلبات واحتياجات المجتمع في كل مرحلة.

ومن المؤكد بأن التطوير المنشود لا يعني بلوغ الكمال في الأداء، فالتطور سنة الحياة ولايجب ان تتوقف الأمور الحياتية عند حد معين ومن المهم التنبيه على أن ما يتناسب مع مرحلة ما قد لا يتوائم مع المراحل القادمة في مسيرة العمل، لذلك يجب ان يضع المخطط والمقيّم نصب عينيه توفر معايير (مرنة) تتناسب وكل مرحلة، والتأكيد على أن قوة التشريعات والقوانين تكون في مدى ملائمتها للإحتياجات الحالية للمجتمع وليس في طول مدة بقائها.

ويستمد مجلس الشورى العماني مرجعيته التشريعية والرقابية من النظام الاساسي للدولة، وبالتالي يجب على المجلس كجهة تشريعية ورقابية أن يعمل على تفعيل كافة الصلاحيات وفقا للنظام الأساسي للدولة وتطبيقا للاختصاصات والممارسات التي حددها القانون في المادة 58 مكرر من 8 لغاية 19 تحت باب مجلس الشورى والمادة 58 في باب أحكام مشتركة بين المجلسيّن ( الدولة والشورى) مكرر من 20 حتى 44.

وقد شدّد جلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله ورعاهفي خطابه التاريخي الأول بتاريخ 23 فبراير 2020 على أهمية تفعيل الرقابة والاستخدام الفاعل للموارد الوطنية، وتحقيق مبادئ النزاهة والعدالة والشفافية والمحاسبة والمساءلة.

 ونظرا لكون المجلس يتم تشكيله وفق إرادة شعبية واختيار حر من المواطنين- وهو نهج ديمقراطي تنظمه وتشرف عليه الحكومة- فأنه يجب على الأعضاء الممثلين لكافة افراد الشعب ان يحرصوا على المحافظة على حق المواطن من التشريعات والقرارات الخاطئة. ويجب على المجلس ان يتابع القوانين ويراقب تنفيذها وإذا وجد خلل أو قصور في مادة ما عليه ان يسارع بالمطالبة بتعديلها او بحذفها أو اقتراح إضافة مادة أخرى تضمن تحقيق المصلحة العامة.

ويجب أن يكون الفكر السائد للناخب والمنتخب بأن المجلس مؤسسة ينتخب أعضائها دوريا للمحافظة على الحقوق العامة، ومجلس الشورى ممثل لكافة المواطنين وهو بالتالي الجهة المعنية اوعلى أقل تقدير يفرض نفسه كمؤسسة شعبية شريكة أو موازية للمؤسسة الحكومية ( جهاز الرقابة الإدارية والمالية) في عملية الرقابة والتصدي للتجاوزات والفساد الإداري والمالي.

أوجه القصور في أداة السؤال البرلماني

يعتبر السؤال او كما يتعارف عليه ( السؤال البرلماني) وهو واحد من بين ثمانية وسائل وأدوات برلمانية متاحة لأعضاء مجلس الشورى لممارسة الصلاحيات الرقابية ولكن يكاد يكون هو الأداة الوحيدة المفعّلة منذ اعتماد اللائحة الداخلية في 15 سبتمبر 2012 لغاية الآن.

وحتى يتضح للجميع ( الأعضاء والناخبين) عدم جدوى استخدام هذه الأداة البرلمانية وكذلك تعارضها مع ما يطالب به أعضاء المجلس الوزارات الخدمية من تسهيل في الإجراءات وتقديم المعلومات والافصاح  عن البيانات وجعلها متاحة لجميع المواطنين فأنني سوف أبيّن مواد النظام الأساسي للدولة التي تشير إلى هذا التعارض.

وربما لم ينتبه الأعضاء السابقين بأن استخدام هذه الأداة سواءا كان السؤال استفهامي أو توضيح لأمر معين أو شكوى أو بصيغة طلب خدمة أو التماس ماهو إلا تكريس للتمايز والتمييز بين المواطنين والتأكيد على أنّ الإصرار على استخدام هذه الأداة البرلمانية إضعاف لدور المجلس ككل، ولم ولن يستطيع المجلس كجهة تشريعية ورقابية تحقيق عمل جماعي أو شئ ملموس على أرض الواقع فيما يتعلق برصد التجاوزات الإدارية والمالية من خلال استخدام هذه الأداة.

و يتعارض تركيز الأعضاء وإصرارهم على استخدام هذه الأداة مع مضمون المادة  (17) في الباب الثالث الحقوق والواجبات ( المواطنون جميعهم سواسية امام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولاتمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو المذهب أو الموطن أو المركز الاجتماعي) .

كما تؤكد المادة الثانية عشرة (12) من النظام الأساسي للدولة  في المبادئ الاجتماعية في البند الأول ( العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين العمانيين دعامات للمجتمع تكفلها الدولة)،

وعلى الرغم من اعتماد اللائحة الداخلية للمجلس في 15 سبتمبر 2012 ،لكن لم يحرص المجلس طوال الفترتيّن السابعة والثامنة على تفعيل المادتيّن المذكورتيّن وما يزال التباين والتمايز واضح في الوزارات الخدمية وعلى سبيل المثال يحظى الكثير من المسؤولين والمتنفذين بميزات إستثنائية في الكثير من الأمور الخدمية في الاسكان والصحة والتعليم والخدمات التجارية والمأذونيات وغيرها من الخدمات ولم يوجد للمجلس أي دور طول الفترات الماضية في المطالبة بتفعيل هذه المادة من النظام الأساسي للدولة ، لذلك أصبح تفعيل هذه المادة من الأولويات التي يجب ان يحرص الأعضاء على تحقيقها خلال الفترة التاسعة، وهو دور أصيل للمجلس وللأعضاء الذين انتخبهم الناس ووثقوا بهم للمحافظة على حقوقهم أن يستفيدوا من هذه الفرصة التاريخية وعليهم ان يفعلوا صلاحيات المجلس البرلماني والذي يعول عليه المواطن الكثير للحد منالتجاوزات التي تحدث في الوزارات الخدمية .

واما تقديم الخدمات فهو دور ملزم يجب ان تقوم به جميع الوزارات الخدمية دون تمييز بين المواطنين تنفيذا للمادة 44 الباب الرابع : بأن مجلس الوزراء هو الهيئة المنوط بها تنفيذ السياسات العامة للدولة للدولة ويتولى بوجه خاص؛ كما جاء في البند الثالث من النظام الاساسي للدولة؛

( رعاية مصالح المواطنين وضمان توفير الخدمات الضرورية لهم ورفع مستواهم الاقتصادي والاجتماعي والصحي والثقافي).

وبالتالي فأن تقديم الخدمات حق لكل المواطنين وليس حصرا على أعضاء مجلس الشورى والمطلوب هنا بأن يحرص المجلس على متابعة تفعيل هذه المادة في جميع المؤسسات الخدمية لجميع المواطنين على حد سواء. ولابد ان يترسخ في الذهن بأن مجلس الشورى ليس مؤسسة إستجداء أو طلب خدمة أو تقديم شكوى أو التماس، والتنبيه على أن تردد الأعضاء على الجهات الحكومية لمتابعة مواضيع الخدمات العامة أو الخاصة سوف يطرح أكثر من علامة استفهام ويقلل من شأن العضو كرجل برلماني يمثل مؤسسة رقابية وتشريعية.

كذلك ورد في الاحكام  المشتركة بين المجلسين ( الدولة والشورى) في المادة 58 مكرر 21 من النظام الاساسي للدولة؛ (بأن على الرئيس والنواب ان يستهدفوا في أعمالهم مصالح الوطن وفقا للقوانين المعمول بها والا يستغلوا عضويتهم بأي صورة لفائدتهم الشخصية أو لفائدة من تربطهم بهم صلة قرابة أو علاقة خاصة، ويحدد القانون الأعمال التي لا يجوز  لأي منهم القيام بها).

ومن ناحية أخرى يجب أن يتم الحد من عملية تردد المواطنين على مكاتب المسؤولين وقطعهم مئات الكيلومترات للبت في مواضيعهم في ظل عالم تقني اصبح توفير المعلومة والرد على الاستفسار لايستغرق سوى ثواني معدودة وهذا ما يجب ان يسعى إليه أعضاء المجلس ومراقبة تنفيذه واتاحته لكافة المواطنين.

كلمة في نهاية المقال؛

كلما وضع الإنسان المناصب نصب عينيه، يبدأ الفساد في سلوكه ( توماس جيفرسون).

ملاحظة هامة

هذه المقالات كتبت قبل صدور النظام الأساسي للدولة وقبل قانون مجلس عمان الصادران في 11 يناير 2021 م؛وبالتالي فأن المواد المذكورة في المقال هي وفق لما جاء في النظام الأساسي للدولة السابق والصادر سنة 1996 والمعدل سنة 2011.

                                                                       سعيد بن سالم الوهيبي